الرئيسية » الأرشيف » الثقافة الذكورية

الثقافة الذكورية

عندما نتكلم عن طبيعة العلاقة بين الجنسين في مجتمعنا، فإننا نتحدث عن مجموعة من المرتكزات المغلوطة أرسيت على أساسها هذه العلاقة، ونذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر:

1 – تبويئ المرأة لمكانة دونية وحقيرة ضمن التراتبية الاجتماعية، وتعطينا الثقافة الشعبية والممارسات اليومية أمثلة واضحة عن مدى تكريس مفاهيم سطحية تروم بالأساس جعل المرأة ذلك المخلوق الدنيء الذي لا كيان ولا وجود اجتماعي له، بل فقط دمية مطيعة ومسالمة صالحة للهو وتلبية حاجات الرجل الذي كان دائما رمزا للسلطة و الهيبة، سواء كان زوجا أو أبا أو أخا، هذا مع تداخل مفاهيم العفة والأخلاق والشرف والسمعة، التي كانت دائما الفتاة هي المسؤولة عن تدنيسها “البنية بلية”، في مقابل أن الرجل هو من يدافع ويزهو بها ، وهو كيفما كان، لا يعيبه شيء، وأن المرأة ولو تعلمت تبقى “لو طلعت المريخ أخرتها السرير و الطبيخ.

2 – كون المجتمع، وفي إطار دوامة من الطابوهات والمحرمات، واستحضارا ل “حشوما أو عيب أو مامزيانش”، خلق بين الرجل والمرأة هوة كبيرة جعلت كليهما ينفر من الآخر، ويكون صورة عنه يستحيل معها خلق أو تمديد أواصر علاقة اجتماعية صحيحة، تجعل كل منهما يناقش الآخر، ويحاول تغيير الصورة النمطية التي كونتها لديه مؤسسات الضبط كالمدرسة والأسرة والإعلام

3 – المرتكز الاقتصادي الذي يكرس وبشكل واضح الثقافة الذكورية وهيمنة الرجل على المرأة، إذ أن عدم استقلالية المرأة الاقتصادي واتكاليتها المطلقة على الرجل، يفقدها نصيبها من القرار، وتغدو إحدى ممتلكات الرجل. همها الوحيد هو إرضاؤه كي لا تفقد منبع عيشها، وتنبذ اجتماعيا.

هذه هي بعض المرتكزات التي جعلت مجتمعاتنا تسودها الثقافة الذكورية، والنظرة إلى المرأة نظرة احتقارية، تهدف إلى إضعافها وتهميشها وقهرها ماديا ومعنويا، وإذلالها، ومحو شخصيتها من الوجود، وشل حركيتها وقولبتها في قالب كعكة تصبح سهلة بيد الرجل، يتحكم بها، كيفما ووقتما شاء.

يُنتج النظام الرأسمالي الاضطهاد المزدوج الذي يمارس في حق المرأة، فهي أولا، تعاني، شأن رفيقها الرجل، من البطالة والفقر والإستغلال البشع من طرف الباطرونا، إضافة إلى هزالة أجرها نسبيا مع الرجل، وثانيا، باعتبارها امرأة، فصوتها عورة، وجسمها عورة، وجب تغطيته كي لا يثير غريزة الرجل، وعملها المنزلي الروتيني والمبلد، غدا واجبا اجتماعيا غير مؤدى عنه، وغير معترف به اجتماعيا، واجب عليها ولو كانت تساعد زوجها في إعالة الأسرة بالعمل خارج البيت.

تقوم الدعاية الإعلامية البرجوازية على تكريس نفس الأدوار الاجتماعية البطريركية، وعلى التركيز على الظاهر في المرأة لا كائنا انسانيا وطاقة خلاقة، على جسمها لا عقلها، فنجدها تعرض شبه عارية بجانب السلع بغرض إغراء الزبون، كما يظهر بشكل جلي، مدى التنميط الذي تقوم عليه المقررات الدراسية، فنجد فيها أن الأعمال المنزلية والتجميل هي من مهام المرأة، بينما الرجل يخرج للعمل، إلى السوق،  يحمل الفأس، يتسلط فتهابه الأسرة، وهو سيد الأسرة الذي يعيلها… ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، وما خفي كان أعظم.

على المرأة أن تعي بحقوقها، في العمل والمساواة مع الرجل، وحقها في تقرير مصيرها بعيدا عن ولاية وسلطوية الأب أو الزوج، علما أن تحرر النساء لن يكون إلا من صنع حركات نسائية، ذات أهداف واضحة، واستراتيجية تقوم على حشد كافة ضحايا الاستغلال، من الرجال والنساء على حد سواء، وتحمل على عاتقها مهمة الدعاية المكثفة وإدماج مطالب نسائية خاصة ضمن مطالب باقي المقهورين.

توناروز