الرئيسية » إبداعات حرة » متشردا في باريس ولندن: جورج أورويل يروي عن الذين يحيون في قاع أسفل المجتمع

متشردا في باريس ولندن: جورج أورويل يروي عن الذين يحيون في قاع أسفل المجتمع

متشرد في باريس ولندن – جورج اورويل

“ان كل الكتاب معتزون بأنفسهم وأنانيون وكسالى وإن وعي الكاتب بتحيزه السياسي يجعله يدرك كيف يتصرف سياسيا دون التضحية بالقيم الجمالية والفكرية” جورج أورويل

رواية (متشردا في باريس ولندن) ضمنها أورويل بعضا من تجارب حياته، جزءا عاشها بطريقة بوهيمية في الاحياء الفقيرة بباريس ولندن. نقلها الى قراء العربية في طبعتها الأولى سنة 2010 العراقي المقيم بلندن سعدي يوسف الروائي والصحفي والمترجم للعديد من الكتب الشعرية والنثرية، الذي ترجمت بدوره العديد من أعماله الى لغات عدة.

جورج أورويل (إسم مستعار) الكاتب السياسي الصحفي والروائي البريطاني إريك آرثر بلير. ولد يوم 25 يونيو 1903 بموتيهاري بالهند، حيت كان أبوه (ريتشارد ويلمسري بلير) يعمل موظفا بسيطا في الإدارة المدنية البريطانية بالـهند، وأمه (أيدا ميدا بلير) ابنة تاجر أخشاب فرنسي بسيط.

عندما بلغ عمر الخامسة لم تكن عائلته تستطيع توفير تكاليف المدرسة فدرس بمدرسة كنسية. فاز بعد ذلك بمنح دراسية سمحت لأبويه بدفع نصف الرسوم المعتادة لمدرسة حكومية. بالرغم من كرهه للدراسة كان موهوبا مند أن كان يافعا، فمحاولاته الأولى مقالات وقصائد، كانت أثارت الإعجاب وأشعرت عن النبوغ. في عام 1917 لذكائه وامكانياته الاستثنائية أتيح له ان يدخل إلى مدرسة « ايتون » الشهيرة في انجلترا وهي كلية لا يدخلها الا أبناء الموظفين الكبار أو العائلات الغنية جداً.

انضم أورويل إلى شرطة الإمبراطورية الهندية في الشرق الأقصى خمس سنوات كرجل شرطة. وذهب إلى سجن إنسين، ثاني أكبر سجون بورما في عام 1927. كان في إجازة مرضية في انجلترا فقرر عدم العودة إلى بورما، واستقال من وظيفته في سلك الشرطة الإمبراطورية ليصبح كاتباً فيما بعد، وهو النابغ في اللغة والآداب والتاريخ والسياسة والفلسفة.

عاش أورويل بالمملكة المتحدة، اكتشف فيها عالم الفقر والحياة البئيسة، عبر السياحة في الأحياء الفقيرة من لندن. قضى لياليه في نزهاته متل المتشردين بل عاشرهم، خبراته وتجاربه في الحياة واسعة، اطلاعه على الآداب والفلسفة والتاريخ صقل موهبته. توفي بلندن يوم 21 يناير 1950، عن عمر لم يتجاوز 46 سنة مليء بالإبداع الفكري والأدبي.

خلف جورج أورويل مكتبة غنية في النقد الأدبي والشعر والمقالة الصحافية واللغة والسياسة والرواية, في 1934 كتب رواية أيام بورما ضمنها تجاربه ضمن الشرطة الاستعمارية، وروايته بعنوان 1984 التي كتبها في عام 1949 ترجمت إلى 62 لغة وبيع منها اكثر من عشرة ملايين نسخة, ومزرعة الحيوان التي كتبت عام 1945 بطريقة مجازية أضفت عليها بصمة فنية بيع منهما بدورها الشيء الكثير. ضمن رصيد خبرات انخراطه في صفوف المقاومة ضد الفاشية في الحرب الأهلية الإسبانية في صفوف منظمة ماركسية في كتاب تحية لكتالونيا عام 1938، قضى مدة ستة أشهر بمراكش ألف فيه كتابا تحت عنوان قليلاً من الهواء الطري، كان له انتاج غزير…. عرفت انتاجاته بنقده غياب العدالة الاجتماعية ومعارضة الحكم الاستبدادي الشمولي، وتميزت بالوضوح والذكاء.

تناول جورج في روايته الحياة التي تعيشها فئة من المجتمع إنهم المتشردون, بحسه الروائي سل عن باريس قشرة الحضارة, ليحكي لنا عن الظروف الصعبة التي يعيش فيها المتشردون. فدرب الديك الذهبي الضيق والوسخ تنبعث منه رائحة كريهة ويعج بالسباب والكلام الساقط والشجار وصيحات الاطفال وزعقات الباعة المتجولين مند الساعات الاولى للصباح, وليلا كان معظم بيوت الدرب عبارة عن فنادق, يسكنها أجانب غالبيتهم بولنديين وعرب وإيطاليين ومن ضمنهم لاجئين من روسيا بعد الثورة…. ثلث سكان الحي يصبحون سكرى ليلة السبت يسكنون فنادق رخيصة ويتشاجرون بشكل غامض مستعملين الكراسي والمسدسات.

عاش أورويل حياة التسكع والتشرد في الأحياء الفقيرة بباريس رفقة هؤلاء البؤساء من شتى الجنسيات، مما جعل أحدات الرواية تتداخل بأحداث التاريخ في اسلوب شيق، رغم مرارة الحياة المعاشة.

نزل جورج مند أن وطئت قدماه ارض باريس في نزل العصافير الثلاثة بدرب الديك الذهبي, أي ذهب؟؟ والنزل مملوء بالقدارة، فمدام ف صاحبته لا تملك الوقت لأي تنظيف، مما جعله ملجأ للبق وشتى انواع الحشرات، كل شخصيات الفندق غريبة الأطوار، جردهم البؤس من كل القيم الآدمية، يلتقي أغلبهم في المشرب أسفل النزل. هكذا شان كل أحياء باريس الفقيرة. هذا اللقاء بالبؤس في صوره الآدمية بهذا الحي جعله يكتب عن البؤساء. قدم أورويل وصفا لكل الشخصيات التي نزلت بنزل العصافير الثلاثة، فسكان هذا الفندق والحي الذي يتواجد جزءا من قصة بؤسه، الذي عاشه لأول مرة في حياته.

كان المشرب تحت هذا النزل مكانا لإفصاح كل هؤلاء المتشردون عن المكبوت، فهذا شارلي لعبت الخمرة برأسه فأصبح يحدثهم عن الحب ويخبرهم متأسفا عن أسعد أيامه، “آه الحب, الحب! أه، لقد قتلتني النساء! أه، أيتها السيدات والسادة النساء كن خرابي، خرابي بلا أمل…..”. وحكى عن المبغى في القبو, الذي صرف فيه نقودا سرقها من أخيه بعد أن لعبت الخمرة برأسه “ها أيها السادة, هل من حاجة الى أن أصف لكم تلك الرعشة، نصف الرعب ونصف البهجة, التي تجري في عروق المرء في مثل هذه اللحظات….”.

كان شارلي أنموذج لشخصيات الرواية من ساكني حي الديك الذهبي الفقيرة بباريس من كل الأجناس يجمع بينهم الفقر والتشرد.

بعد ان استقر جورج بهذا الحي لما يقارب العام ونصف نفد ما معه من مال ولم يتبقى له غير مدخولا بسيطا من دروس الانجليزية, وتعرضت غرفته للسرقة من قبل شاب إيطالي. فقرر البحت عن عمل آخر لكنه فشل في كل المحاولات. فكان لزاما عليه أن يعيش بأقل من شلن في اليوم أي أقل من ستة فرنكات, إنه على حافة البؤس.

حياة البؤس علقته بشبكة من الأكاذيب, كان عليه أن يتظاهر أنه يعيش كالمعتاد على الأقل بالحفاظ على المظهر, لكن قلة ذات اليد أفسدت خطته فحتى التظاهر بالعيش في النعيم يحتاج إلى مال. بل حتى دروسه الانجليزية توقفت فجأة لينجر الى البؤس فرهن ملابسه كما جرت العادة في ذلك الحي مع كل بئيس.

أصبح الحصول على عمل ضروري, فالتجأ طلبا للمساعدة من بوريس نادل روسي لاجئ بباريس, سبق أن التقاه, كان مغامرا ككل اللاجئين الروس, قتل آباه في الثورة وكانا أغنياء, فيما كان خادما في الحرب بفرقة المشاة السيبيرية كان أعرج. نصحه بوريس أن يكف عن التفكير في الكتابة فهي لا شيء وأنه سيدبر له أن يعمل نادل مقهى.

فشل مع بوريس على أن يكونا نادلين, فأن تجد عملا كهذا أمرا ليس بالهين, فسجلا اسميهما في كل الوكالات لكنهم يرفضون في كل مرة. جرب ان يكون حمالا ففشل. أنهكهما الجوع والبرد جراء افتراش الارض, رهنا معطفيهما, ولم يكن بحوزتهما ما يؤدونه كأجر السكن في الفندق فوضع بوريس خطة عسكرية للهروب دون أداء ما بدمتهما.

إنه الواقع المزري الذي عاشه الفقراء, فأن تتحايل على حارس فندق ملئ بالبق وشتى انواع القدارة حتى تتمكن من اخراج أسمال بالية, لرهنها مقابل سنتات لشراء قطعة خبز أو زجاجة كحول, دليل على مدى حياة أدمية عاشها المتشردون على أرض باريس.

انتظر رفقة بوريس حتى افتتاح مطعم روسي جديد ليشتغل فيه بوريس رئيسا للنادلين فيما يحصل لجورج على عمل كغاسل صحون.

عمال المطاعم وبالأخص غاسلوا الصحون لا يعترف بآدميتهم, الرواية تحفل بمعاناتهم لم يكتفي أورويل بالوصف السردي للأحداث, بل تعمق في أغوار نفسية هاته الفئة التي تشتغل أكثر من خمسة عشر ساعة كل يوم لغسل الصحون والكد, لينعم زبائن المطعم بالراحة, دون ان يكونوا ملمين بما وراء راحتهم. فغاسل الصحون يعني أن تغسل الصحون وتنظيف المطبخ وإعداد الخضروات والشاي والقهوة والشطائر وحتى القيام بالطهو البسيط, واداء مهمات أخرى كإيصال الرسائل….. ثمانية عشر ساعة عمل في اليوم دون يوم عطلة, مقابل خمسمائة فرنك في الشهر. اجواء العمل كانت كارثية فصاحب المطعم فتحه برأسمال غير كافي, مما يعني نقص في الخدمات والتجهيزات, يعني أيضا عملا مضاف على كاهل العمال, وما أن ازداد عدد الزبائن حتى ازدادت وتيرة العمل بدورها, فأصبح جورج غير قادر على الاستمرار, فغادر الى انكلترا.

بنفس القالب الفني وبنفس الموقف السياسي أزال جورج الضباب عن لندن ليصور لنا صورة عن ما يعتمل في أعماق المدينة وما يعيشه الذين في قاع المجتمع من تشرد, فمن الإقامة في مساكن المتشردين وما يلاقوه من إدلال, إلى الكد من أجل لقمة العيش بكل الطرق, والوسائل, العزف على آلات الغناء وحتى الرقص بالشارع والبارات مغنين ومرتلين, الرسم على قارعة الطرق, وبشتى طرق الاحتيال. فالمهم هو الحصول على شلن يمكنك من شراء أدنى ما يمكنك أن تبقى على قيد الحياة.

سافر جورج أورويل الى لندن للعمل عن طريق رعاية معوق خلقي, لكن ما أن وصل حتى أخبر أن مستخدميه سافروا خارج البلد, كان عليه تدبير الشهر قبل رجوع المريض الذي سيرعاه فاقترض لتدبير شؤونه, ذلك لم يكفيه فباع ملابسه من جديد ليتمكن من المنام في إحدى بيوت المنام المؤقت, منازل قدرة أعدت من قبل الأغنياء للإتجار في بؤس المشردين.

يتسكع جورج في شوارع لندن والجوع يقطع اوصاله, انتهت من جديد ما معه من نقود فما عليه الذهاب الى إحدى الملاجئ العابرة “سبايكات لندن”, شاي وكعكة بالمجان وترديد كثيرا من الصلوات, يبدو مثل سجن طوابير من الصعاليك ومتسكعين قذرين. يستحمون في ماء قدر سبق ان غسل به آخرون أقدامهم لفحص مرض الجدري, الملاجئ بدورها تضم متشردين من كل الجنسيات.

كان بادي ايرلندي زميلا لجورج وهو أول متشرد عرفه في لندن يشعر بالعار من كونه متشردا جاهل وبخيل كمعظم المتشردين, كان يغار من كل من يراه يعمل, يحب النساء ويبغضهن في الوقت نفسه, من ملجئ الى آخر رفقته زميله بادي, لكن نفس التشرد ونفس الوجوه الشاحبة ونفس القسوة في التعامل.

إنها بعضا من محنة المتشردين عاشها الراوي بدوره بين باريس ولندن إنها العالم الذي ينتظر من أفلس، رواية شيقة، تستحق القراءة، تحكي عن حياة لا تستحق أن تعاش.

بهذه الفقرة ختم جورج أورويل روايته متشردا في باريس ولندن:

“لكني قادر على الاشارة الى امر او امرين تعلمتهما جيدا في محنتي. لن أفكر تانية بأن كل المتشردين هم اوغاد سكيرون ولن اتوقع ان يكون متسولا ممتنا حين اعطيه بنسا، ولن يدهشني أن يكون العاطلون يفتقدون الطاقة عن العمل، وان يشتركوا في جيش الخلاص. وأن أرهم ملابسي، وانني لن ارفض إعلانا يدويا، لن التد بوجبة في مطعم فاخر. إنها لبداية”.

ب. ابراهيم