الرئيسية » إبداعات حرة » مرحبا مايكوفسكي : بورتريه غير شخصي

مرحبا مايكوفسكي : بورتريه غير شخصي

 

مايكوفسكي ابن العائلة النبيلة الفقيرة – كان أبوه مشرفا على حراسة الغابات ووالدته ابنة عسكري تهوى الرسم والشعر – اختار أن يبدع فناً اشتراكياً فكانت عبارته المشهورة هذه ثورتي غداة ثورة أكتوبر1917

لم يهدأ شعره يوماً… مايكوفسكي لا يتعاطى اليأس ولا الهزيمةَ.. لم يعرف شعره يوماً شيئاً من عادات العقلاءْ..

نبيد العالمِ طوعُ يديهِ كلماتٍ حمراً يستقطّرها ، يمزجها بالحلمِ مشاعياً.. ثم يغادرُ، إذ يتحررُّ من ربقةِ شيطان الشعر إلى بارٍ شعبيٍّ , لم يمكث أكثر من الساعة أو أطول بقليلٍ، إذ ضاق بثرثرة الثوريين المبتدئين فغادر غاضبا وهو يدندنُ مع نفسه أبيات
قصيدة حديث مع مفتش فنلندي حول الشعر:

أيها المواطن المفتش فنلندي

أرجو المعذرة لإزعاجك

شكرا ..

لا تقلق

عندي

قضية ذات طبيعة رقيقة

حول مكان

الشاعر

في النظام العمالي

*****

طالبا كنتُ في لغة الضاد وكان عليّ تجنّب رفقةِ مايكوفسكي أو من يشبهه في سيماءِ الشعراءِ الخطرينَ مثل نيرودا و لوركا.. فثمة من يكتبُ تقريراً يومياً لكهنة اللغة حتى من خواطرنا الحالمة .. كنت أخاف الشعر أكثرَ من خوفي من مفرزةٍ شرطة تسهرُ عند باب الكلية..

قلتُ لرفاق طريق ينتظرونَ دخولَ وادي عبقر*: من هذا؟ وأشرتُ إلى مايكوفسكي من بعيد .. قالوا: نعرف كل شعرائنا من الصعلوك إلى شاعر القبيلة والخليفة ولكنّا لا نعرف هذا الوجه..

تمشينا في وادي عبقر وعند (طريق الشعب) افترقَ الدربُ إلى ناحيتين: الكلماتِ الحمرِ و الكلماتِ الصفر..

عرجت إلى ناحية الكلماتِ الحمر فاذا بشاعر ذي مظهر عابس الوجه وقامة طويلة – وكان ذلك سببًا كافيًا لإثارة الانتباه – يلقي بقصيدة في جمع من الناس , ومما تسرب إلى مسمعي :

امسحْ عن قلبِكَ كلَّ قديم

فما الشوارعُ إلا ريشاتنا

والساحاتُ لوحاتنا

لم تُمَجَّدُ الثورةُ بكتابٍ من الزمن

ذي الألفيْ صفحة

هيّا ..

إلى الشوارعِ أيُّها المستقبليونَ!

عجبا لهدا الشاعر خرج عن مألوف الشعر , فحطّم الوزن والقافية وحافظ على الإيقاع ، سألت رجلا من الجماعة بدت عليه نشوة الشعر : من الرجل وما هذا الذي يقول , أجابني المنتشي بصوت كالفحيح من شدة وجده : هذا مايكوفسكي وتلك قصيدته ” أمر إلى جيش الفن “

حتى في وادي عبقر يا فلاديمير تمارس فيه فن التحريض السياسي، يبدو أنه لديك قناعة عميقة لا رجوع عنها بالشيوعية كحل وحيد للإنسان وهو فوق الأرض أو تحتها

*****

في تلك الليلة اجتمعت مع مايكوفسكي وجمع من شعراء الكلماتِ الحمر على أقدحٍ حمر من كلماتٍ حمرٍ، وعلى عاداتِ الشعراءِ الخطرينَ أشارَ فلاديمير إلى خيط دمٍ ينساب من ثقب كبير لبنادقَ فرقة فاشيّينَ في جبهة لوركا , الذي لا يملك غير أغاني غجر طيّرها في سماء الأندلس .

وبين مداراتِ النبيذ و الكلماتِ الحمر خرج من العنق المذبوح إلى الصوت المبحوح إلى القلب المثقوب فيض الشاعرُ، مكتئباً من فرط اليأس:

أفكاركم‏

الحالمة في مخ رخو‏

كالخادم المترهل على أريكة قذرة‏

سأوقظها بنتف قلبي المدمى‏

ساخراً بصفاقة.‏

وفي روحي لا توجد شعرة شائبة واحدة.‏

ولا رقة الشيخوخة‏

صوتي يرعد مجلجلاً في هذا العالم‏

وأمضي جميلاً -‏

في الثانية والعشرين‏

يا أيها اللطفاء!‏

*****

قد يلعبُ مايكوفسكي باللغة والقافية أو يلاعبُنا بالشكل والوزن حيناً، ويقول: “أنا أمزح” ويراوغنا أو يبتزّ حنيناً ثوريا فينا بل يشتمنا لبيروقراطيتنا واجتماعاتنا الفارغة في أبيات قصيدته المجتمعون :

في اليومِ الواحدِ علينا

أن نلحقَ عشرينَ اجتماعا

ولذا نَجِدُ أنفسَنا مجبَرين أن ننقسمَ

من الرأسِ حتى الخصرِ هنا

والباقي هناك

يضنيكَ القلقُ فلا تغفو

وقبيلَ الصبح

تستقبلُ الشروقَ المبكرَ بالحلم:

آه لو عقد

ولو

اجتماعا واحدا

ليقرر اجتثاث جميع الاجتماعات

يفـتـنـني ويدهشـني ويـرعبني إلى حد الموت مايكوفسكي وهو يعلنها صريحة قبل أن ينتحر في 14 أبريل عام 1930

” الى الجميع ! أنا أموت، لا تتهموا أحداً. ودعكم من الأقاويل. كان الميت يكره ذلك كثيراً …..

وكما يقولون « الحادثة باتت منتهية»

تحطّم زورق الحب على الحياة الجارية

أنا متخالص مع الحياة

لا جدوى من استعراض الآلام والمصائب والإساآت المتبادلة.

كونوا سعداء ! “

قل لي كيف أكون سعيدا ولصوص الثورة عمموا المشانق والمنافي للجميع وأعدموا
أمل شعوب العالم في نصيبهم من ثورة دائمة لا تبقي ولا تدر

تبا لكم يا لصوص الثورة

هل على الثورة..

أن تقتل شاعرها كي تحيا؟

___________________________________

(*) وادي عبقر وتقول العرب أن هذا الوادي يسكنه شعراء الجن و أن من أمسى ليلة في هذا الوادي جاءه شاعر من الجن يلقنه الشعر.

المراجــع:

1) ينبغي أن نحلم – القسم التاسع : أدب مسكون بالسياسة ، تأليف: كميل داغر , دار التنوير (توزيع دار الفارابي) – بيروت 2010

2) ماياكوفسكي , تأليف حياة شرارة , المؤسسة العربية للدراسات و النشر – بيروت

لكوني. طالب ثوري