الرئيسية » إبداعات حرة » مقدمة في الجذور الاجتماعية لموسيقى المهرجانات

مقدمة في الجذور الاجتماعية لموسيقى المهرجانات

كانت الشعوب دوما تبحث عن ما يعبر عن معاناتها وآمالها ونضالها وبطولاتها وقد وجدت الشعوب ضالتها تلك في “الفن”، الذي كان مترجما لطلاسم الحياة التي تعيشها الشعوب. فظهور الفن الشعبي منذ آلاف السنين يعطي برهانا ودليل على أن الشعوب منذ القدم قد اتخذت “الفن” شكل من أشكال التعبير عن الهوية والعادات والمعتقدات، فالقبيلة لها فن يعبر عنها وللقوميات والطوائف فن يعبر عنها، والفن الشعبي هو المنتج الإبداعي للشعوب الناتج عن خبراتهم وتجاربهم.

طوال سنين كان الشعب يبدع كل لحظة فنا شعبيا خالصا.اختلفت التحليلات النقدية كثيرا حول ماهية الفن الشعبي، وحول أعمال فنية بعينها ما إذا كانت فنا شعبيا أو لا، لكن في النهاية نستطيع القول بأن أغلب هذه الأعمال الفنية التي يتم إنتاجها بتكلفة منخفضة وجودة متواضعة-وهنا أخص الحديث عن الموسيقى-لكنها في كثير من الأحيان تعبر بشكل أو بآخر عن تجارب صانعيها وخبراتهم ومعاناتهم وشكواهم.

النظم الرأسمالية،لا تسمح بهذه النوعية من الفنون إلا في سياق تحدده تلك النظم، أو أن تقوم بتشويه تلك الأعمال وتعتبرها خطر داهم على الذوق العام، ذلك الذوق التي تصنعه تلك الأنظمة ذاتها. تلك النظم تعمل على احتواء هذه النوعية من الفنون في كثير من الأحيان وهناك أمثلة حية على ذلك، ودعونا في هذه المقدمة أن نستعرض سريعا ما ستتناوله الدراسة التحليلية التي ستناول الجذور الاجتماعية لفن موسيقى المهرجانات.

البداية:

في بدايات العام 2010 كانت المرة الأولى التي أستمع فيها ل”موسيقى المهرجانات”، وشدت انتباهي بشدة التكوينات الموسيقية لهذا النوع من الفن. وبمرور الوقت انتشرت موسيقى المهرجانات بشكل واسع وأصبحت حاضرة بقوة. وجدير بالذكر أنه حتى هذه اللحظة لم تكن موسيقى المهرجانات قد أذيعت في أي من وسائل الإعلام المرئي أو المسموع، فلم يلجأ أي من صانعيها لشركات الإنتاج أو القنوات الفضائية أو حتى التمويلات التي تمنحها المؤسسات الثقافية.

ورغم أن موسيقى المهرجانات هي نتاج عملية فنية تدخل فيها التكنولوجيا الحديثة بشدة إلا أنها أيضا عملية بسيطة جدا ومنخفضة التكاليف تماما، فيكفي أن يكون لديك جهاز كومبيوتر وميكروفون وبعض برامج التسجيلات الصوتية وبعض المقاطع الموسيقية، وبعض الكلمات التي تعبر عن همومك وآمالك ونضالك، ويصبح في النهاية لديك مهرجانا أصيلا يعبر عنك.

انتشرت موسيقى المهرجانات في أذن الملايين في وقت قصير وأصبح صانعي هذه الموسيقى نجوم بين أوساط الشباب أبناء المنطقة الشعبية وأبناء الطبقة المهمشة والكادحين، فكون التوك توك والميكروباص خير موزع وناشر لهذه الموسيقى.

تعتبر المهرجانات موسيقى خاصة جدا وأصلية، فصناعها لم يستوردوا هذا الشكل من الخارج، ولم يطوروا شكلا آخر، بل ابتكروا انتاجهم الخاص، ووضعوه في سياق محدد.

ولكن ما هو الفرق بين الموسيقى الشعبية التقليدية-لفنانين معاصرين أمثال عبد الباسط حمودة، طارق الشيخ ومحمود الليثي- والمهرجانات، باعتبار أن أغلب هؤلاء الفنانين مثلهم مثل صانعي المهرجانات ينتمي أيضا لمناطق شعبية فقيرة؟

الإجابة من وجهة نظري تكمن في نقطتين.النقطة الأولى هي أنه رغم تناول الموسيقى الشعبية نفس مضامين الأغاني الشبابية لمغني الطبقة المتوسطة العليا مثل عمرو دياب وتامر حسني-بشكل أعمق من دياب وحسني بالتأكيد- فهي تشبه أغاني الطبقة المتوسطة العليا في غلبة الطابع التجاري عليها والتزامها بمنافسة السوق وأخلاقيات مناخ الانتاج الموسيقي السائد. النقطة الثانية هي أن تلك الأغنيات الشعبية التجارية تتناول موضوعات هامة بالتأكيد لشباب المناطق الشعبية لكنها موضوعات عمومية تتضمن مجموعة من العبر والأقوال المأثورة والدروس المستفادة من تجارب الحياة بشكل عام، على عكس المهرجانات التي تتناول في كثير من الأحيان موضوعات شخصية وخاصة، ويذكر في الأغنيات أسماء وأشخاص بعينهم وهو ما يجعل المهرجانات أقرب للشباب.

668_334_1429607872

عن الجذور الاجتماعية:

عندما تستمع إلى إحدى أغاني موسيقى المهرجانات وتمعن السمع في كلمات الأغنية ستجد الآتي: أحيانا أغنية كاملة يذكر فيها أسماء أولاد المنطقة التي يعيش فيها “صانعي المهرجان” ويثنى على شهامتهم وجرأتهم، وأحيانا ستجد أحد المهرجانات يقوم بمدح المنطقة التي يعيش فيها صانعي المهرجانات.

وهنا علينا أن نتوقف للحظة فالغالبية العظمى من صانعي المهرجانات يفضلون أن يقوموا بتسمية مجموعاتهم بأسماء المناطق التي ينتمي إليها كال”الدخلاوية”. الأهمية التي تكمن في الأساس في المناطق التي ينتمي إليها صانعي المهرجانات وهي مناطق شعبية فقيرة ومهمشة يقطنها الكادحين أبناء الطبقة العاملة، فسنجد أيضا “الديابة الستة” أبناء منطقة الدخلية بالإسكندرية، وهي منطقة صناعية يقطنها العمال في المصانع المحيطة؛ سنجد أوكا وأورتيجا أبناء المطرية.

ستجد كلمات أغاني المهرجانات في كثير من الأحيان تتجه ناحية احتوائها على مجموعة من العبر والجمل المأثورة ومجموعة من النصائح التي تمثل خلاصة التجربة الحياتية لصانع المهرجان،وأحيانا سنجد كلمات تعبر عن خبرات وانحيازات مجتمعية وفي بعض الأحيان سياسية.

ولعلنا لا نجد اقبال كبير من شباب المناطق الشعبية سامعي وصانعي موسيقى المهرجانات على الأنواع التجارية من الموسيقى الشبابية لنجوم الملايين أمثال عمرو دياب وتامر حسني ومحمد حماقي لعدم اتساق تلك الأغنيات مع واقع شباب المناطق الشعبية والطبقات الكادحة،لأن الموسيقى والفيديو كليب الخاص بكل أغنية يحتوي في كثير من الأحيان مشاهد تكون بمثابة الخيال العلمي بالنسبة لقطاع كبير من شباب المناطق الشعبية لما فيها من ترف ومبالغة وابتذال وجودة تصوير عالية جدا تظهر كل شيء في غاية الجمال.كما أن كلمات تلك الأغنيات غالبا ما تكون بعيدة كل البعد عن اهتمامات أبناء المناطق الشعبية،ولا تتحدث عن أيا من همومه وآماله،لتصبح المهرجانات بمثابة الذي وجد أبناء المنطقة الشعبية فيه ضالتهم.

الاحتواء الرأسمالي:

نتيجة لرغبة بعض صانعي المهرجانات في الانسلاخ من طبقتهم أمثال “أوكا وأورتيجا” فكان الأمر سهلا على النظام الرأسمالي أن يحتوي تلك الأعمال الفنية ويقوم بوضعها في سياق محدد.النظم الرأسمالية تدرك تماما أن قدرة الفن على التحريض وفك طلاسم التعقيدات النظرية والتثوير هي قدرة هائلة،لذلك فالنظم الرأسمالية إما أن تشوه أو تحجم أو تحتوي المادة التي تشكل خطورة عليها،أو تواجها وتمنعها،أو تقوم بإجبارها على الالتزام بسياق محدد،أو تجعل من كلمة أي فنان مخالف سبة أو مادة للسخرية.

وللأسف فقد استسلم بعض صانعي المهرجانات بسهولة لعملية الاستقطاب الرأسمالي المدعوم من الطبقة الحاكمة،فأصبح مغنو المهرجانات يظهرون في الاعلانات عن السلع في التلفزيون ويظهرون في الأفلام السينمائية ذات التكاليف والإيرادات المليونية.

فالرهان الحقيقي لتبقى المهرجانات من الفنون الشعبية والنابعة من هموم ومشكلات غالبية المواطنين هو أن يستمر أبناء تلك الطبقة في إنتاج منتجهم الفني الخاص بهم وبصبغته البسيطة المتواضعة التكاليف والجودة في مواجهة ملايين شركات الإنتاج.

حكيم عبد النعيم مسرحي

المصدر: مجلة أوراق اشتراكية، عدد 24 خريف 2013–مجلة غير دورية يصدرها مركز الدراسات الاشتراكية.

http://revsoc.me/awraq/15004/