الرئيسية » دراسات وكتابات نظرية » في خندق الذئب معارك المغرب: مقتطفات من كتاب للباحثة الإسبانية ماريا روسا دي مادارياغا

في خندق الذئب معارك المغرب: مقتطفات من كتاب للباحثة الإسبانية ماريا روسا دي مادارياغا

 

 

ماريا روسا دي مادارياغا حاصلة على الإجازة في الفلسفة والآداب بجامعة كومبلوتينسي، مدريد، وعلى دبلوم اللغة والأدب العربي من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس، وشهادة الدكتوراه في التاريخ بجامعة السوربون بباريس.
واشتغلت كموظفة دولية مدة أربع سنوات باليونسكو، ولها إلمام واسع ومعرفة بتاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، ومن مؤلفاتها: إسبانبا والريف.. أحداث تاريخ شبه منسي2000 ، و المغاربة وفرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية 2002 ، و خندق الذئب، معارك المغرب 2005، عبد الكريم الخطابي والكفاح من أجل الاستقلال (2010م). فضلا عن مقالات متعددة عن العلاقات بين المغرب وإسباتيا نشرت بعدة مجلات إسبانية وأجنبية.

في ما يلي محتويات كتابها خندق الدئب، معارك المغرب بالإضافة للفصل التاسع بعنوان: إسبانيا وعبد الكريم

الكتاب من ترجمة: دة. كنزة الغالي، وتقديم عبد الغني أبو عزام. صدر الكتاب عن مؤسسة الغني للنشر سنة 2010 

=========================

ماريا روسا دي مادارياغا
MARIA ROSA DE MADARIAGA

في خندق الذئب
معارك المغرب

ترجمة: دة. كنزة الغالي
تقديم عبد الغني أبو عزام

الفهرس

تقديم

مقدم المؤلفة

1.طرق تدريبية حربية وملتوية

حرب تطوان: مسرح كبير لفصول مشهد مأساوي هزلي

حرب مليلية: “مشهد سخيف: مشابه لما حصل في تطوان

2.الريف من سنة 1909 إلى 1912

أطماع استغلال المناجم وحرب 1909

الجميع أو لا أحد

المقاومة الريفية ضد الهجوم الإسباني

3.الريفيون والإسبان

الريف والمجتمع الريفي العشائري

الاتفاقية الاسبانية الفرنسية 1912: حماية أم تدخل مباشر؟

تدخل عسكري وطرق “استقطاب سياسي” متعاونون ومقاومون

4.الهزيمة الاستعمارية 1921

سيلفيستري (Silvestre) وبرنغير (Berenguer)… وآخرون

“حسن الطالع” الجنرال الذي انتهى “موشحاً”

أغرين أنوال، جبل أعروي: وقع الأحداث

5.الرأي العام والحرب متدخلون ومنسحبون

الأحزاب الملكية: من الحفاظ على الوضع القائم إلى “الدفاع عن الوطن”

الجمهوريون والأحزاب العمالية

القومية الباسكية والكتلانية

6.تخليص الأسرى: جدل وطني

الأسرى الذين تم تخليصهم مباشرة في القبائل

أسرى أجدير: إكراهات إطلاق سراحهم

الأسْرُ

7.القواد وهيئة الضباط

ديكة مخصية وخنانيص برية

الجيش: “كم كان ممتعا أن يكون المرء جنديا إسبانياً”

شرطة الأهالي، النظاميون واللوائيون

8.من أنوال إلى إنزال الحسيمة

نتائج الهزيمة: عسكريون وسياسيون

بهلوانية الجنرال-الديكتاتور: من الانسحاب إلى ما يشبه التخلي

من وهم الانسحاب إلى حرب توسعية

9.اسبانيا وعبد الكريم

عبد الكريم من المورو الصديق إلى زعيم المقاومة الريفية

الدولة الريفية والمقاومة من أجل استقلال الوطن

المقاومة بعد عبد الكريم و”اقرار السلم” في الريف

مصادر البحث

بيبلوغرافيا

لائحة الصور

فهرس الأعلام
*****************

مقدمة المؤلفة

قليلة هي الأسر الإسبانية التي لم يشارك أحد أبنائها في معارك المغرب أباً كان أو جداً. وعلى الرغم من أن تلك الذكريات قد اندثرت تقريبا من الذاكرة، إلا أننا مازلنا نسمع في أوساط الشباب من يردد أن عمي أو خالي أو جدِّي كان هناك، وما زال من بينهم من يتذكر حكايات رويت له عن أحداثها وهو طفل صغير. كان جدي يحكي لنا قصصا كثيرة عنها –وأتذكر خصوصا ما أخبرني به ألبارو من إحدى قرى أستورياس في الأربيعينات من عمره-، عندما أطلعني على ما تعرضوا له أثناء حصار (المورو) الذي دام ثلاثة أشهر، حيث اضطروا لأكل الفئران، وشرب البول لشدة عطشهم. كان ذلك أكثر الأمور شقاوة عليهم، ولم ينسوه قط. كان سكان القرى المجاورة يتجمعون ويتذكرون فترة تجنيدهم هناك. وإذا بلغوا في الشرب رددوا بعض المقاطع الشعرية التي نظمها أحد أصدقائهم في يوم من الأيام:

إذا أردتم أن تأكلوا، أيها السادة

جيداً وبثمن رخيص،

اصعدوا قمم الشاون،

هناك نزل متواضع لعبد الكريم الخطابي

أول طبق يقدمونه،

قنابل يدوية قاذفة،

ثم رشاشات،

لاسترجاع الذاكرة.

وهناك من يردد من سكان استورياس على أنغام “الغيطة”

“الغياط” ليباردون (1)

بعث يطالب من مليليية

منفاخاً للغيطة،

رغم أنها كانت صغيرة.

أجاب (المورو) القط (الكاطو):

صديق ليباردون،

لا أجيب صبية،

(المورو)، أجيب أنا،

الذين يقودون الحركة،

حركة (المورو).

من كان يظن بأن اسم “محمد عثماني” الملقب بـ”الكاطو” (القط) أحد وجهاء فرخانة، قبيلة معزوزة، ومن أهم المتعاونين مع الإسبان، سيتردد خادلً يوماً ما في إحدى ضيعات استورياس؟! بالتأكيد، إن الذين يرددون اسمه في الأنشودة حالياً، نقلا عمن كانوا في إفريقية، ليست لديهم أي فكرة عن هذا “الكاطو” (المورو). وتجدر الاشارة إلا أن منافيخ تلك الغيطة كانت تصنع من جلود الحيوانات، وفي أغلب الأحيان من جلد خروف أو جدي. كل أولئك الذين شاركوا في معارك المغرب قضوا نحبهم الآن، ولن تبق إلا بعض الذكريات، والحكايات التي يتناقلها أولادهم وحفدتهم. بقيت أحداث معارك المغرب مقرونة بالموت والحداد، ويمكننا أن نستشف ذلك من مقطوعة ترددها امرأة مسنة بإحدى القرى المجاورة لأستورياس:

إذا قررت الذهاب إلى مليلية

اكتب لي أنا أولاً

كي أرتدي ثوب الحداد

وأغير شريط شعري.

لكن على الرغم من ذلك يمكن التصور بأن حروب المغرب تشكل في ذاكرة الإسبان أحداثاً بعيدة من الماضي، حتى تلك التي وقعت في العشرينيات من القرن المنصرم ضد عبد الكريم الخطابي. لكنها في حقيقة الأمر مازالت كامنة هنا، وكأنها وقعت بالأمس القريب فقط. أسماء معارك مثل خندق الذئب ومعركة أنوال خصوصا، التي راكمت نتائج سيئة جدا على إسبانيا، مازالت –بالطبع- عالقة بذاكرة العديد من الرجال، لكن باعتبارها أحداثاً مأساوية يستحن نسيانها. وبما أن معركة أنوال شكلت عاراً لإسبانيا فإن المؤرخين الرسميين يفضلون الحديث عن “إنزال الحسيمة” كنصر ومفخرة لجيوش إسبانيا ضد “زعيم الثوار عبد الكريم الخطابي”. كان ذلك النصر يشكل هزيمة لعدوهم، وإذا كان الإسبان يتكلمون عن هزيمة أنوال، فإن المغاربة وسكان قبائل الريف على الأخص، ينظرون إليها كنصر باعتبارها فَوْزاً وشرفا، ويحتفلون بذكراها سنوياً في الوقت الراهن. ولا بأس هنا من الإشارة إلى الحكاية المضحة لفرنسي زار إنجلترا ووقف في ساحة “ترافالغار” أمام تمثال أمير البحر “نيلسون” وقال: “ما أغرب هؤلاء الأنجليز، يكف يؤرخون ويحتفلون بالهزيمة”. رغم أن الحكاية قد تكون مفتعلة من باب النكتة إلا أن مدلولها يبقى ذا بعد عميق.

وبما أن إسبانيا لم تشارك في أي من الحربين العالميتين، فقد شكلت حروبها مع المغرب المشاركة الوحيدة خارج حدودها خلال القرن العشرين، وقد جندت لها ما بين 140000 و160000 جندياً.

توجد حول هذه الحروب وثائق وكتابات كثيرة من وجهة نظر حربية: ترتيب المعركة وتوثيقها وعدد الفيالق المشاركة، والتشكيلات التي شاركت في هذه المعركة، أو تلك وقواد الكتائب. لقد اهتمت تقريباً بالجوانب التقنية، عدا بعضها الذي اتصف بالصبغة السياسية على الرغم من أن السمة الغالبة عليها أيضاً هو البعد العسكري. كل هذا شيء مهم. وتبقى الأحداث اللاحقة إن صح التعبير معركة ورجال شاركوا فيها وعايشوا أحداثها.

لقد ارتأيت في هذا النص أن اقترب من وقائع من عاش المعركة بدلاً من الحديث عنها، وذلك بالوقوف عند أشخاص كثيرين ممن مثلوا أكثر الحالات التي عانت مأساة وقائع معارك في تراب إفريقية. لم أركز فقط على أسماء قواد قادوا فيالقهم للنصر أو الهلاك، ولكنني اهتممت أيضا بجنود مغمورين لا تعرف أسماؤهم، ضحايا قضوا نحبهم، وقد تفحمت عظامهم في أنوال وسلوان، وجبل أعروي، او رجعوا مرضى ليموتوا في أحد أركان بيوتهم.

سأتناول بالنسبة للقسم الأول الحديث عن مشاعرهم وعن طموحاتهم وعن صراعاتهم وعن حلفائهم، ومشاركتهم في المشهد السياسي الوطني تحت تأثير ما. فرضه موقعهم في مراكز السلطة. أما بالنسبة للقسم الثاني فسنتحدث عن هموهم ومعاناتهم وعن خوفهم وهلعهم وعن عجزهم ويأسهم، وأحياناً عن احتجاجاتهم الصامت من غير جدوى.

حظي أشخاص آخرون باهتمامنا، وهم رجال السياسة، ملكيون أو غير ملكيين، ووجهة نظرهم تجاه “مشكلة المغرب”؛ كما تطرقنا لحجج المؤيدين للتدخل في المغرب والمعارضين له، كما تطرقنا كذلك إلى اجتماعاتهم السياسية ومعارضتهم واحتجاجاتهم التي حركت البلد بأكمله بصرخة موحدة: “لتسقط حرب المغرب” كتعبير عن رأي الشعب. حرب لاقت معارضة شعبية بكل امتياز، وبكل المقاييس. وبالنسبة لعدد كبير من الإسبان كان “المشكل المغربي” بمثابة “الكابوس المغربي” و”المغامرة المغربية” و”السرطان المغربي”.

لم يشكل المغرب بالنسبة لإسبانيا قضية سياسية خارجية، وإنما مسألة داخلية امتصت لسنوات عدة كل أنشطة واهتمامات البلد، واستنزفت طاقاته، ووجهت سياسة حكوماته، مما تسبب في أزمات حكومية، قوضت أركان النظام وأدت إلى دكتاتورية الجنرال بريمو دي ريبيرا؛ الأمر الذي يبدو لنا حالياً بعيداً عن حياتنا وزماننا، وقد شكل في تلك الآونة هاجساً وكابوساً لكل المجتمع الإسباني. يكفي تصفح تلك الحقبة والوقوف عند النقاشات الدائرة في البرلمان لنعرف أن المغرب كان في صلب اهتماماتهم اليومية، وكان من بين الأولويات المطروحة. كانت كل الحياة الإسبانية تدور حول المغرب، إلى أن تحول إلى صفحة من صفحات تاريخ إسبانيا.

وبكل تأكيد، لقد كان سائدا في إسبانيا جهل تام بالمغرب، بدءاً بالسياسيين الذين كان يسير حذوهم صحافيون ومروجون إشهاريون، عدا القليل منهم، لكن هذا لا يعني أن الكل كان على طبيعة السياق نفسه. تم ترويج عدد كبير من الشائعات والأحكام الجاهزة المغلوطة عن المغرب، تناقلتها الأجيال جيلاً بعد آخر، دون أي اهتمام بتاريخ وثقافة البلد. لقد ركزت جل المؤلفات التي تناولت تدخل إسبانيا في المغرب على مجال التدخل الإسباني فقط، وأغفلت بصفة مطلقة تقريباً كل القضايا الأخرى المتعلقة به. لذا ارتأينا أن نورد بصفة مختصرة بعض أحداث تاريخ المغرب، أو على الأقل منطقة الريف، الجهة الشمالية للسيادة الخليفية؛ فضلاً عن الفذلكة التاريخية. لقد ارتأيت التصدي لفكرة أن أهل الريف “قبائل همجية”، أردت أن أتطرق ولو باقتضاب إلى بعض المميزات الأساسية التي تطبع المجتمع الريفي التقليدي، من بنية عشائرية قبلية، ومكونات قوتها وقوانينها؛ الأمر الذي سيساعد من دون شك على توضيح جوانب كثيرة متعلقة بالسلطة، وبالتوازنات والتحالفات والصراعات القبلية، وكذلك من أجل فهم أحسن للمسرح الذي جرت فيه أحداث الحركة التوسعية الإسبانية. وبالنسبة للقسم المغربي، تكلمت عنم شخصية عبد الكريم الخطابي، عن أفكاره ومساره، عن الأسباب التي حولته من “المورو صديق إسبانيا” إلى زعيم المقاومة الريفية، ما أدخله عبد الكريم الخطابي من إصلاحات على البنية القبلية، وإنشاء الدولة الريفية، والبعد الدولي الذي أعطى لحركته سمة وبعداً لم يتأت لحركات المقاومة الأخرى بالمنطقة.

تندرج مقاومة عبد الكريم الخطابي من أجل استقلال الوطن في سياق الحركات التحريرية ضد الاستعمار كتلك التي خاضتها خلال الحربين العالميتين بعض البلدان الإسلامية الأخرى، ومن نماذجها، نموذج مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، وسعد زغلول في مصر، والسلطان الأطرش في جبال الدروز بسوريا، وبعض الأخرى غير الإسلامية، كتلك التي بدأت سنة 1911 واستمرت بقوة خلال عشرين سنة بقيادة سون يات سين في الصين.

سعيت في هذا العمل، رغم طابعه الشمولي إلى أن أوثق الأحداث برؤية حاولت أن تكون دقيقة. لا شك أن البعض منها معروف عند بعض القراء المهتمين أو المختصين، بجانب أحداث أخرى تطرقت لها من زاوية مختلفة، يمكن أن تشكل مرجعاً بذاتها.

اعتمدت في لائحة مراجعي على مؤلفات حديثة كتبا عن الأحداث، واستحسنت شهادات حية ممن عايشوها. أما الذي لا يمكنني أن أتجاهل فائدته الكبرى وكل المعلومات المقدمة عن معركة أنوال، أسبابها ومخلفاتها فإنه يتعلق بـ”ملف أو تقرير بيكاسو” الذي سيتردد ذكره باستمرار في هذا العمل، وكذلك وثائق لجنة تحديد المسؤوليات التي تشكلت في تموز/يوليو من سنة 1932 بالبرلمان لصياغة تقرير يتضمن حقائق الأحداث كما جرت، لكي تعرض على مجلس النواب لينظر في المهتمين الذي يتحملون مسؤولية ما وقع في المغرب، وفي مقدمتهم أعضاء حكومات إسبانية ومسؤولين عن القوات العسكرية التي تعاقبت على السلطة ابتداء من سنة 1909 إلى تموز/يوليو-آب/أغسطس، نهاية سنة 1921 ولاحقاً خلال معركة أنوال.

لقد اعتمدت على قصاصات الصحافة ومناقشات البرلمان لمعرفة توجهات الرأي العام، أما ما له علاقة بالمصادر وملفات الأرشيف فقد اعتمدت على وثائق الوزارة الفرنسية للشؤون الخارجية بباريس، وقسم التاريخ للجيش في منطقة الحماية الفرنسية (أرشيف بيسينس، بباريس)، ووزارة الشؤون الحربية بلندن، وهيئة الأمم بجنيف، والمستشفى العسكري بسبتة، والأرشيف العام العسكري بمدريد. لقد كانت لوثائق الفرنسية أهمية بالغة، وذلك لأن فرنسا لم تكن تتابع فقط ما يقع في مجال التدخل الإسباني، بل ظلت تعاين ما يدور من أحداث داخل إسبانيا نفسها، وعلاقتها بالمغرب.

يوجد قسم في الوزارة الفرنسية للشؤون الخارجية يتضمن وثائق جد هامة، مصنفة تحت عنوان: “أوراق عبد الكريم الخطابي”، استولى عليها الفرنسيون حينما سلم الزعيم الريفي نفسه إليهم (غنيمة حرب) وتتضمن هذه الأوراق ما يتعلق به.

يرد في هذا الكتاب أيضاً من حين لآخر شهادات شفوية أخذتها خلال سنوات خلت، من مقاتلين ريفيين كانوا في جيش عبد الكريم الخطابي في الريف، وكذلك شهادات عائلات جنود إسبان شاركوا خلال العشرينيات في معركة المغرب.

وختاماً فقد رجعت خلال التطرق لبعض المواضع إلى عدد من إصداراتي السابقة، مثل إسبانيا والريف-قصة تاريخ شبه منسي، وكتاب مغاربة في خدمة فرانكو (الذي ترجمته إلى اللغة العربية كنزة الغالي) وبعض المقالات التي صدرت في عدد من المجلات والدوريات ومؤلفات جماعية.
—————————————————————————–

الفصل التاسع

إسبانيا وعبد الكريم

عبد الكريم من المورو الصديق إلى زعيم المقاومة الريفية

ينطبق على مسار عبد الكريم عكس ما قاله المارشال ليوطي (Lyautey) “عدو الأمس صديق الغد” إذ كان صديق الأمس وأصبح عدو اليوم والغد.

ولد محمد بن عبد الكريم الخطابي سنة 1882 بإحدى الأسر المرموقة في أجدير، قريباً من صخرة باديس التي احتلها الإسبان منذ سنة 1673 . كان والد فقيهاً متضلعاً في العلوم الشرعية والفقهية، وقاضياً في قبيلته ببني ورياغل، وكان السلطان مولاي الحسن هو من قلده ذلك المنصب، وصادق عليه ابنه السلطان مولاي عبد العزيز. وعل الرغم من عدم انتمائه لأي عائلة من عائلات الشرفاء أو المرابطين، كان والده يتمتع بمكانة خاصة لدة الإسبان، رأوا فيه شخصاً فعالاً يمكن أن يخدم جيداً مصالحهم.

كانت توجد علاقة طيبة بين إسبانيا والتجار المدنيين بالحسيمة، على الرغم من معارضة سكان القبائل للوجود الإسباني على الحدود، إذ أن مصلحة التجارة كانت تجمع بينهما في الغالب.

تعود أول معلومة توصلنا بها عن تعاون والد عبد الكريم مع السلطات الإسبانية إلى سنة 1907 [1]، وجدت في لائحة القسم المركزي للقوات والشؤون الأهلية بالقيادة العليا لمليلية، مؤرخة في شهر تشرين الأول/أكتوبر 1914، ذكرت فيها أسماء وجهاء وقواد من الأهالي كانت تربطهم علاقة ود وتعاون مع إسبانيا. ذكر من بينها اسم والد عبد الكريم باعتباره من الشخصيات المهمة جداً [2]. كان في الحقيقة من المورو الذين يتلقون رواتباً شهرياً من إسبانيا، ومن بينهم أهم أفراد ما يسمى “بالحزب الإسباني” في أجدير. عين عبد الكريم، الذي درس القانون في فاس من سنة 1902 إلى غاية سنة 1904، مدرساً للغة العربية لأبناء المغاربة بمليلية. تماشياً مع السياسة التي تنتهجها سلطات مليلية تجاه الوجهاء لتشغيل أبنائهم وإعطائهم بعض الامتيازات، ظل عبد الكريم يمارس بها وظيفته التعليمية من سنة 1907 إلى 1913، كما زاول الصحافة في الوقت نفسه بجريدة “تلغراما دي الريف” (Telegrama del Rif)، التي كان يديرها كانديدو لوبيرا (Cándido Lobera) ، إذ اقترح على هذا الأخير أن يخصص له عمودا يوميا بالعربية. رغم أن مقالاته لم تكن موقعة، إلا أنها كانت تنتشر داماً في الصفحة الأولى، من آذار/مارس سنة 1907 إلى غاية نيسان/أبريل من سنة 1915 [3].

كان عبد الكريم يدافع عن الامتيازات التي تمنحها أوروبا، وما تقدمه من مساعدات إلى هذا الأخير وخصوصاً من لدن إسبانيا لتنمية المغرب على المستويين الاقتصادي والثقافي، وساند “الحركة المتحضرة” التي قادتها إسبانيا ضد الأطماع الفرنسية التوسعية [4]. كان أبوه أيضاً يرى بأن إسبانيا التي خرجت منهوكة من كوبا والفلبين يمكنها أن تدعم المغرب دون أن ترتمي في أحضان مغامرة حربية أخرى، مؤكدا أن لها الإمكانات لتعويض البنى التقليدية في المغرب بأخرى عصرية، طبقاً لروح معاهدة الخزيرات التي أعطت لإسبانيا دوراً في المملكة الشريفية. تقلد عبد لكريم خلال فترة تعاونه مع إسبانيا عدة مناصب هامة في الإدارة. حيث عين سنة 1908 كاتباً مترجماً في مفوضية شؤون الأهالي بمليلية، ثم عين سنة 1910 قاضياً بالمدينة نفسها، رافق هذه المناصب ترقيات وتشريفات كبيرة، منها: درجة فارس في سلك “إزابيل الكاثوليكية” (Isabel la Católica)، ووسام الشرف العسكري في سنة 1912، ووسام إفريقية في تشرين الأول/أكتوبر من سنة 1913. كما أنه عين أول قاض مسلم في مليلية شهر آب/أغسطس من السنة نفسها. بينما ظل عبد الكريم في مليلية، استمر والده في أجدير يقدم خدمات جلية وهامة للإسبان الذين كانوا ينتظرون دعمهم لإنزال في شاطئ الحسيمة خريف سنة 1911. اكتشف الأمر وفشل المخطط، واعتبر سكان القبيلة والد عبد الكريم “أكبر خائن” وشددوا الخناق على عائلته. قتلوا عدداً من أفرادها وأحرقوا بيته، مما اضطره للفرار رفقة أسرته إلى صخرة باديس [5].

رأت السلطات الإسبانية بأنه من الأحسن أن تبعده بعض الوقت عن قبيلته فنقلته إلى تطوان. كتب من هناك إلى الجنرال خردانا (Jordana) يشكو سوء حاله، ويذكره بالخدمات التي قدمها لإسبانيا. رفع هذا الأخير من رابته، فأصبح (250 بسيطة)، أي 50 دورو شهرياً (6)، هذا يعني زيادة كبيرة على ما كان يتقاضاه سابقاً كأجر في حدود 65 بسيطة شهرياً. بقي في تطوان إلى أن رأى الإسبان أن الوقت مناسب لعودته للريف لينظر من جديد في مشروع الإنزال بالحسيمة الذي كان متوقعاً يومي 14-15 حزيران/يونيو من سنة 1913، إلا انه هذا الإنزال ألغي أيضاً يوم 9 حزيران/يونيو، الأمر الذي عقد وضعه أمام القبيلة التي ترفض نهائياً أيّ وجود أجنبي. تنبه والد عبد الكريم إلى أن محاولة مساعدة دخول الإسبان إلى الحسيمة تسببت له في خسائر مادية ومعنوية تجاه قبيلته، وتعرض مصالحه للخسارة وفقدان الجاه، وتقلل من شأنه في أعين الناس. كانت إسبانيا تتراجع خطوات إلى الوراء مع كل تقدم يقوم به، متخلية عنه ليواجه مصيره وحده. وعلى الرغم من إحساسه بخيبة الأمل واصل تعاونه معها. كلفت إسبانيا والد عبد الكريم بتكوين “حزب سياسي” داخل بعض أفخاذ القبيلة في أواخر سنة 1913 وبداية سنة 1914، وكانت تهدف من وراء ذلك التمكن من أجل توغل الجنود والحد من امتداد قوة قبيلة بني ورياغل، وهي المهمة التي تجند الأب والابن لتحقيقها (7). إلا أن الحدث شكل بداية ابتعاد الاب عن إسبانيا دون أن يقطع صلته بها مباشرة، لأن ذلك قد يؤدي بولديه رهينتين في مليلية، الأكبر لكونه موظفاً في الإدارة، والأصغر أمحمد الذي مازال طالباً يتلقى منحة. لا شك أن موقف الأب تأثر أيضا بالأحداث الدولية بعد الحرب العالمية الأولى، كما أثرت على جميع الشعوب المستعمرة. بعد فشل فرنسا تساءل والد عبد لكريم عن مدى استمرار إسبانيا في الريف. كان موقفه غامضاً، لم يتعاون معها ولم يعارضها، ولا حثها على الانسحاب نهائياً. ومما أثر على موقفه دخول تركيا في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا في 31 من شهر تشرين الأول/أكتوبر سنة 1914. كان عبد المالك محيي الدين، حفيد الأمير عبد القادر أول قادة الثورة ضد فرنسا باعتباره زعيما للمقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي في القرن التاسع عشر. تربى هذا الحفيد في سوريا، وانخرط بعد ذلك في الجيش العثماني، عاد إلى الجزائر ثم إلى المغرب ليعمل إلى جانب بوحمارة ضد السلطان عبد العزيز، ثم انخرط لاحقاً في خدمته، إذ عينه هذا الأخير مفوضاً للشرطة في الموانئ المغربية بموجب معاهدة الخزيرات. بعدما شغل هذا المنصب في طنجة، اختفى عن الساحة ليظهر لاحقاً سنة 1915 في الجبهة الإسبانية على حدود المنطقة الفرنسية. لقد وثقت المراسلات التي تمت بين والد عبد الكريم وعبد المالك مدى العلاقة القائمة بينهما [8]. استقبل والد عبد الكريم في أجدير في سنة 1914 ضابطاَ تركياً جاء يستطلع إمكانية إطلاق عملية ضد فرنسا، انطلاقاً من الريف الذي لا تحتله إسبانيا. كان كان الجواب بالإيجاب، مادامت تركيا ستتكفل بالوسائل اللازمة [9]. كانت ألمانيا في الحقيقة هي من سيوفر ذلك.

وقعت أحداث آنذاك في “الحزب الإسباني” داخل الحسيمة، وبدل الاتفاق مع عائلة عبد الكريم تمت معارضته من لدن شدي (السندي كما يسميه الإسبان)؛ حينما علم بالامتيازات التي تحظى بها عائلة عبد الكريم، شن حملته لتجريدها من كل ذلك. خلفت شكايته المتكررة ووشايته جواً من الحذر، وربما الكراهية تجاه آل الخطابي، الأمر الذي أدى بهم إلى قطع علاقتهم نهائيا بإسبانيا [10].

أقلق موقف عبد الكريم السلطات الإسبانية في الحسيمة، وبالأخص موقف الكولونيل كافيلا، جراء الأخبار التي كان يروجها ضده خصومه.

لم يكتف بعدم التدخل لإخماد الثورة داخل القبائل، وإنما أصبح من المقاتلين في حزيران/يونيو من سنة 1915. حاول أن يقنع الذين يتلقون معاشاً من إسبانيا أن يتخلوا عن ذلك، وكثف نداءه مع :أتباع إسطنبول: ضد فرنسا [11].

تزامن وجود عبد المالك في الريف وظهور الألماني فارلي (Farle) بمليلية الذي التقى بعبد الكريم، حيث عبر له عن رغبته في التنقل إلى أجدير بغية لقاء والده، من أجل مده بالمال لتسليح ألفين من المقاتنلين يعملون في صفوف عبد المالك [12]. لم يمر وجود فارلي (Farle) بأجدير دون أن يثير انتباه الكولونيل كافيلا (Gavila) الذي سارع بإخبار مليلية. اكتفى ريكيلمي (Riquelme) التي تعود على شكوك القائد العسكري واتهاماته لعائلة الخطابي، باستجواب عبد الكريم حول حملة الريف لصالح تركيا. دحض عبد الكريم الاتهامات الموجهة لعائلته، إلا أن أجوبته لم تتبدد كل الشكوك حول إمكانية تغيير موقفه في المستقبل. لن تعكر صفو مليلية بالطبع أي عملية موجهة ضد فرنسا ولن تسوءها، كما أن الفرنسيين لا يمكن أن يتهموها بالوقوف وراءها. لكن سياسة اللامبالاة هاته يمكن أن تنقلب يوماً ضدها. كان ريكيلمي (Riquelme) يرى بأن التعاون مع عبد الكريم ووالده أنجع السبل لتجنب أي خطر، وأن يجعل حركة “أصدقاء إسبانيا” تحت مراقبته. لن تقتنع مدريد بوجهة نظره، لأنها كانت تعرف أن ألمانيا تقف وراء تركيا، وإذا خرجت فرنسا منتصرة على الساحة العالمية ستهدد مصالح إسبائنا وأمنها، وقد يؤدي ذلك إلى إلغاء المعاهدات التي وقعت عليها. لذا كان على إسبانيا أن تحافظ على موقف الحياد، وتمنع كل أصدقائها من مساعدة تركيا، أو أي هيئة حربية أخرى.

طلب من عبد الكريم في ضوء هذه المستجدات بأن يكتب رسالة إلى والده يبلغه فيها هذا الموقف. أجاب مؤكدا وعده أنه لن يدعم تركيا، ولن يقوم بأي عملية لمساعدتها، وشرح له الطريقة السرية التي يمكن أن ينهجها لاسترجاع ثقة القبيلة، وبهذه الخطة يمكنه خدمة مصالح إسبانيا، ويمنع أن تتحول الحركة ضد فرنسا إلى عدو ضد إسبانيا [13]. لم يقنع هذه التعليل في يوم من الايام إسبانيا، خصوصاً الكولونيل كافيلا (Gavila) الذي كان واثقاً بأن والد عبد الكريم يقف وراء الاضطرابات في قبائل الريف ضد إسبانيا. وهذه الرؤية دفعته بأن يقترح على مليلية أن تقوم باحتجاز عبد الكريم، وألا تتركه يعود إلى قبيلته في عيد الفطر، لأنه إذا ذهب سيجتمع بأبيه ويخططان معاً ضد مصالح إسبانيا [14]. وبما أم مليلية لم تعر الأمر اهتماماً خاصاً، قرر كافيلا (Gavila) إرسال القبطان سيست (Sist)، رئيس إدارة الشؤون الأهلية بالحسيمة لاستجواب عبد الكريم شخصيا ومعرفة أفكاره حول الحماية، وتدخل إسبانيا في المغرب.

ورد حسب التقرير الذي رفعه القبطان إلى الجنرال أإثبورو (Aizpuru)، القائد العام بمليلية في 15 من شهر تموز/يوليو سنة 1915، من بين ما جاء فيه من أفكار أن عبد الكريم يريد أن تتقوى “الأمة الإسلامية”، هذا بالإضافة إلى طرح فكرة حصول الريف غير المحتل على استقلاله، والعمل على حل الصراع الأوروبي، الذي من شأنه أن يغير من طبيعة تدخل إسبانيا في المغرب. أتمنى أن يتم التعاون مع حزب “الشبيبة التركية” والإعلان عن الجهاد. إنها الأفكار التي يريد أن يناضل من أجلها “وأن يتم أيضاً تثبيت جهاز المخزن في الجبهة غير المحتلة؛ إذ يمكن بعد استقراره أن يتفاوض مع إسبانيا، ويمكن للحركات آنذاك أن تتفاهم مع القوات الإسبانية في حالة عدم تقدمها إلى ما وراء نهر كرط إلى غاية انتهاء الصراع الأوروبي”. ومن بين النقاط التي تم التركيز عليها تجلت في ضرورة الاتفاق على قضية “استقلال الريف غير المحتل، معتبراً احتلال إسبانيا لقبيلة بن ورياغل نهايتها، أي موتها” لذلا يجب على إسبانيا أن تقف في المواقع التي تحتلها دون أن تتطلع للمزيد (15).

اعتبر الإسبان هذه التصريحات خطيرة، لأن عبد الكريم الذي كان لا يرى مانعاً فيما تحتله إسبانيا يعارض بشدة أن تتقدمم لدخول أراضٍ جديدة، خصوصاً قبيلة الريف. لم يسمح لعبد الكريم بالذهاب للاجتماع بوالده في أجدير، وبهذا تم التفكير في مخطط احتجازه خلال زيارة الجنرال أإثبورو (Aizpuru) للحسيمة، وتمكين أصدقاء إسبانيا من الذهب لتحيته، وتقدم الولاء له، فَهِمَ ما يحاك ضده وغاب عن ذلك الحدث.

حاول ريكيلمي أن يخفف من طابع الشدة الذي رافق كل الاتهامات الموجة ضد عبد الكريم ووالده، إذ اعتبر بأنه من غير الملائم أن ينعت الوالد بالرجل المخطئ، لكونه مجرد رأي حول مجال التراب الذي لا تحتله إسبانيا، ولأنه من المحتمل جداً الانسحاب منه في المستقبل “حينما تصبح المنطقة راشدة وقادرة على قيادة نفسها”. حسب ريكيلمي (Riquelme) لا يمكن أن تعتبر تلك الأفكار “ذنباً” لأن الأمر يتعلق بجوار خاص، وليس شيئا آخر، كان اللقاء عادياً بين القبطان سيست (Sist) وعبد الكريم [16].

على الرغم من هذا الموقف، قرر الجنرال خردانا (Jordana) إقالة عبد الكريم من المناصب التي كان يشغلها. حجزوا منزله ووثائقه إلى السجن. بعد اعتقال ابنه ظن الإسبان أنه لن يقوم قط بمهاجمتهم، وسيسعى للتعاون معهم من جديد. احتفظوا بولده رهينة كوسيلة للضغط عليه.

حزن الوالد حزناً شديداً حين علمه بالخبر، وعمل كل ما في وسعه لإطلاق سراح ابنه. كتب رسائل إلى الجنرال خردانا (Jordana) والجنرال أإثبورو (Aizpuru)، يذكرهما بالخدمات التي قمها لإسبانيا. كان جواب الرجلين متصلباً، وقررا ألا يطلق سراح الابن، إلا إذا عاد الأب إلى الصواب وتعاون [17] من جديد مع إسبانيا.

فهمت عائلة عبد الكريم بأن “أصدقاء إسبانيا” من سكان القبائل هم من يكيدون لهم، ويبلغون الوشايات الكاذبة ليفسدوا علاقتهم مع الإسبان [18].

شرح القاضي في 5 تشرين الثاني/نوفمبر من سنة 1915 بأن الاتهامات الموجهة إلى عبد الكريم صدرت عن وشاية من أشخاص يعادونه. علقت السلطات العسكرية على هذا الرأي، معتبرة بأن أفكار عبد الكريم تشكل خطراً على إسبانيا، لكون هذه الأخيرة ترى بأن مصالح المغرب ترتبط بمصالحها، ومعارضته لفرنسا قد تعني معارضته لإسبانيا وسحب وفائه منها.

قال المراقب بأن عبد الكريم يكن عداء دفينا لإسبانيا وفرنسا، وقد وصل الحد به إلى أن يصبح عدواً لأوروبا مهما كانت مكوناتها [19].

على الرغم من هذا الحكم القاسي، اعتبر ريكيلمي (Riquelme) أن الافكار السياسية للمتهم لا يمكن أن تعبر ذنباً يستجوب العقاب؛ وبرر موقفه بالقول “بأن المراقب لم يعتبر الأمر” حتى خطأ قانونياً” وأن عبد الكريم من الرعايا المغاربة، وليس من الإسبان، لذا لا مجال للحديث عن “الخيانة” لأنه تمنى أن يصبح المغرب وطناً “حراً في المستقبل” أي معنى التطبيق الحرفي لمعاهدة الحماية [20].

بما أنه لم يتهم بارتكاب ذنب، كان من المنتظر أن يطلق سراحه، لكن ذلك لم يتم لأسباب سياسية محض؛ وقرر المفوض السامي إبقاءه سجيناً إلى أن يعود والده للتعاون معهم. بالإضافة إلى استعطاف خردانا (Jordana) وأإثبورو (Aizpuru)، لجأ أبوه إلى وجهاء ساحة الحسيمة من التجار كأنطونيو إي بنكوس يوركا (Antonio Ybancos LIorca) الذي نصحه بدوره بالعدول عن تصلبه في رأيه إذا كان يرغب في إطلاق سراح ابنه. وعلى الرغم من أن عبد الكريم كان يتلقى معاملة طيبة حسب شهادة أنطونيو إي بانكوس (Antonio Ybancos) في قلعة كابريريثاس (Cabrerizas) [21]، فقد حاول الفرار في 23 كانون الأول/ديسمبر من سنة 1915 ولسوء حظه انقطع الحبل فانكسرت رجله.

وبما أن استعطاف كل من خردانا (Jordana) وأإثبورو (Aizpuru) وتوسلهما لم يجدياه نفعاً، قرر الوالد أن يساند ألمانيا علانية إلى جانب عبد المالك ليبين للإسبان أنه بإمكانه إزعاجهم إذا لم يطلقوا سراح ابنه. لم يرق هذا الموقف المقاتلين الريفيين، لأنهم لم يفهموا لماذا يجب عليهم أن يحاربوا فرنسا، بينما إسبانيا هي التي تستعمرهم. كانوا يشكون في أنه يشتغل لحساب إسبانيا سراً، وخصومه يضخمون لدى الإسبان أمر مساعدته الجرمانية للكيد له. أمام معارضيه من كلا الطرفين، قرر أن يقف إلى جانب المقاتلين الذين يحاربون إسبانيا علانية. حينما علمت بمساعدته للمجاهدين الريفيين تقرر اغتياله، أوز اغتيال ولده الأصغر امحمد، لكن سرعان ما منع ذلك خردانا (Jordana) وأإثبورو (Aizpuru) حينما قرر الجنرال مرة أخرى إنزالا في الحسيمة في صيف سنة 1916، وكانت تحدوهم الرغبة في أن يساعدهم والد عبد الكريم في العملية. مقابل ذلك، وعدته السلطات الإسبانية بإطلاق سراح ابنه وإعادته إلى منصبه في هيأة القضاء. ظن خردانا بأن احسن مفاوض يقوم بهذه العملية هو ريكيلمي (Riquelme) الذي عُيِّن قائداً عاماً في قلعة الحسيمة. استبشر بهذا التعيين كثيراً والد عبد الكريم، لأنه كان يعتبر ريكيلمي (Riquelme) صديقاً للعائلة، وهو من ساعد ابنه في تحمل كل المناصب التي شغلها [22].

بدأت منذ بداية نيسان/أبريل من سنة 1916 سلسلة من المراسلات بين والد عبد الكريم وريكيلمي (Riquelme) الذي خاطبه بنبرة الصداقة مع استمرار تصلبه في رأيه فيما يتعلق بإطلاق سراح ابنه مشترطاً عليه تعاونه من أجل تحقيق ذلك. أبدى بعض التماطل في الإجابة لعلمه باحتياجهم إليه، وجعلهم يتوسلون مساعدته. رغم طلب ريكيلمي (Riquelme) المتكرر لمقابلته، لم يذهب عنده ولا بعث ابنه أمحمد مخافة أن يتم احتجازه لديهم. اعتذر محتجاً بأنه يحتفظ بعلاقته مع سكان القبيلة الذين استعاد ثقتهم بعد مشقة، لذا يجب أن يتستر حتى لا يثير شكوكهم من جديد من جديد [23]. لم يكن مستعداً لفقدان ثقة سكان القبيلة من جديد، خصوصاً وأنه غير متأكد من موقف الحسيمة تجاه طلبه. ورغم ادعائه صداقة إسبانيا فقد واصل دعمه للألمان وتحركه ضمن مجموعة المقاومين.

قرر أخيراً في حزيران/يونيو من سنة 1916 أن يتعاون مع الإسبان لمساعدتهم في عملية الإنزال المقررة، كما ورد في رسالة ريكيلمي (Riquelme) يوم 18 من شهر نفسه، إذ طلب منه توضيحات حول الملابسات التي تتطلبها العملية [24]. تم التراجع مرة أخرى عن ذلك، وفي المقابل تم إطلاق سراح ابنه بداية آب/أغسطس 1916. وجد الوالد نفسه من جديد في وضع حرج أمام المقاتلين الريفيين، ولم تسعفه عملية التعاون مع الإسبان في الخفاء. قرر أن يجتمع بعبد المالك ومائة من المقاتلين. لإقناعهم بالعكس، لم تجده الخطة كثيراً، لكون المجاهدين كانوا يرون أن كل النصارى يتموقعون في خندق واحد، ويشكلون عدواً واحداً لا فرق بين الفرنسيين والإسبان والألمان. وهذا الموقف هو الذي قادهم إلى التهديد بحرق منزله إذا ما استمر في مساعدة الألمان، وهذا ما قاده بدوره بأن يتعاون علانية مع الإسبان. كان الشريف أحمد بورجيلة، من الأعضاء المرموقين “للحزب الإسباني” وكذلك ابنه عبد السلام [25]. شكل الأمر انذاراً لكل المتعاونين مع إسبانيا، هددوهم إذاً بإحراق بيوتهم، وإتلاف ممتلكاتهم. لم يتأخروا في تنفيذ ذلك، إذ أحرقوا بيت عبد الكريم وباقي أفراد الحزب الإسباني. وجدت إسبانيا نفسها أمام هذه الوضعية مضطرة لمساعدة أعوانها، ورفع رواتبهم ومعاشاتهم، كما ساعدوا والد عبد الكريم في إعادة بناء بيته [26]. وفي هذا السياق، تمت إعادة عبد الكريم إلى منصبه باعتباره أول قاضٍ مسلم بمليلية، بالإضافة إلى تحمل مصاريف دراسة ابنه الأصغر أمحمد، وذلك في أفق تطبيع العلاقة مع عائلة الخطابي [27].

تم قرار إنزال جديد بالحسيمة سنة 1917، لكن هذه المرة من لدن والد عبد الكريم [28]. إلا أن الإسبان لم يتوافقوا على ذلك، واعتبروا الوقت غير مناسب، خصوصاً وأن الحزب لم يقو صفوفه بعد، وليس له امتداد وأتباع بين القبائل. وبما أن المقاتلين الريفيين واصلوا تهديدهم بحرق منزل والد عبد الكريم، فقد اقترح دخول توروكوت بقبيلة تمسمان المحاذية لبني ورياغل. لكن ما كان يطمح إليه الإسبان ويردونه هم دخول أجدير [29]. وفي ضوء هذه التغييرات تم إلغاء إنزال الحسيمة للمرة الخامسة، ووجد والد عبد الكريم نفسه متورطاً اتجاه رجال المقاومة الريفية. أمام تنامي تهديد هؤلاء وتراخي إسبانيا، فهم بأنه لا يمكنه في النهاية إلا أن ينخرط في صفوفهم. لم يلبث القائد العسكري الجديد سيفانتوس (Civantos)، الذي عوض ر ريكيلمي (Riquelme)، أن صدق الوشايات نفسها والكلام الذي راج ضد عبد الكريم ووالده من قبل، والذين أصبحا يحسان بأنهما مطاردان [30]. أمام المضايقات التي أصبح يعاينها عبد الكريم، عبر عن رغبته في العودة للقبيلة لا ليتعاون مع أبيه ضد إسبانيا ولكن ليرتاح من الإرهاق الذي يعانيه، كما أراد أن يصحبه أخوه الأصغر الذي يدرس بمدريد. كان ريكيلمي (Riquelme) يرى تعاونه ضرورياً فحاول صدَّه عن رأيه ودفع أإثبورو (Aizpuru) لمفاتحته في هذا الشأن، إلا أن المرور العابر للأول بالمفوضية السامية للشؤون الأهلية بالحسيمة وتعيينه على جبهة سيرينيولا (Ceriñola) لجعل والد عبد الكريم يفقد الأمل في إيجاد صديق يحميه في المستقبل بالمنطقة. أثر قرار عبد الكريم على موقف إسبانيا التي سلمت لفرنسا ستين أو سبعين مقاتلاً مغربياً شاركوا إلى جانب عبد المالك في الحرب ضدها بقيادة القايد لحسن، واعتقلوا لاحقاً في التراب الإسباني. سامحتهم فرنسا لاحقاً، إلا أن الموقف أخاف بعض الريفيين، وكذلك عبد الكريم ووالده من أن يتم متابعتهم كموالين للألمان [31].

قبل أن يعلن الوالد عن توقفه علانية عن مساندة الإسبان، انتظر اجتماع أولاده به في أجدير حتى لا يتم الاحتفاظ بهم كرهائن لدى الإسبان. استطاع عبد الكريم في كانون الأول/ديسمبر من سنة 1918 أن يلتحق بأبيه واخوه في كانون الثاني/يناير من سنة 1919. قرر الوالد ألا يعود أي منهما إلى مليلية أو مدريد؛ علل موقفه للإسبان بأنه تلقى تهديداً بتصفيتهما من لدن المقاتلين الريفيين إن هما عادا لمناصبهما. لم يستطيعوا صَدَّهُ عن رأيه بكل السبل. حاول القائد العسكري بالحسيمة مانويل سيفانتوس (Manuel Civantos) إقناع عبد الكريم بالعودة إلى منصبه كقاض في مليلية وإغرائه بأن المستقبل الزاهر ينتظر أخاه في أجدير بعد إتمام دراسته بمدريد، لكن كان ذلك من دون جدوى. وفي الوقت نفسه حذره من نتائج أي محاولة يمكن أن تصدر بمناسبة زيارة المفوض السامي للحسيمة [32]. بعد فشل الإغراء، عمدت إسبانيا إلى التهديد، في رسالة بعث بها خوان سولير (Juan Solder) قبطان بمفوضية الشؤون الأهلية بالحسيمة أنه في حالة عدم تقدمه سيتم إيقاف رابته كقاضٍ [33]. وسَّطَ الإسبان صديقاً قديماً له، ولم يكن سوى اليهودي ميسود بناعيم (Mesod Benaim)الذي وجه له رسائل بين 18 شباط/فبراير و6 آذار/مارس يحثه فيها على العودة للتعاون مع الإسبان، والمجيء إلى الحسيمة بمناسبة زيارة المفوض السامي. كما قدم له تعليل حضوره بنفسه وذلك لسحب راتبه، لأنهم رفضوا منحه إياه، كما أن لا يمكنه بعث 2700 بسيطة التي جاءت باسمه [34] عبر البريد. لم تأت أكلها هذه الرسائل ولا الإغراءات: وتمسك كل من عبد الكريم ووالده برأيهما رافضين التوجه نحو الحسيمة.

لم يبد عبد الكريم ولا والده عداء لإسبانيا، من خلال فترة الترقب هذه استمر يراسل أصدقاءه الإسبان مثل خوان سولير (Juan Soler) قبطان مفوضية الشؤون الأهلية بالحسيمة [35]، وميغيل دي سانتا كروث (Miguel de Santa Cruz) قبطان مفوضية الشؤون الأهلية بباديس، الذي بعث له رسالة وجرائد ومجلات في 9 أيلول/سبتمبر من سنة 1919، طلبها منه سابقاً [36]. كان يهدف من وراء ذلك إلى الحفاظ على روابط قديمة بدل العيش معزولا عن العالم؛ نظراً لعلاقة عبد الكريم ووالده مع شخصيات بارزة في مليلية والحسيمة، فقد كانت تأمل إسبانيا أن تسترجعها يوماً للتعاون معها. انحصر الوصال في الصداقة، الأمر الذي لم يكن يعني إطلاقاً العودة لما كان عليه الوضع في الماضي.

ويمكن أن يضاف إلى هذا كله وجود علاقة بينه وبين بعض الشركات الإسبانية المنجمية، مما يكتسي دلالة خاصة، كانت لها دلالة خاصة، وقد تجسدت في المدير العام غييرمو بيروس (Guillermo Preus) الذي طلب منه أن يقود حملة تنقيب عن المعادن ببني ورياغل [37] وكانديدو لوبيز (Cándido López) قبطان سابق، ورئيس إدارة الشؤون الأهلية بالحسيمة الذي غير مهنته واشتغل في الشركة الإسبانية لمناجم الريف [38]. كانت له روابط مع بعض الإسبان من الفلاحين الكبار، مثل رفائيل فرنانديز كاسترو (Fernández Castro)، ممثل الشركة الإسبانية التوسعية بمليلية الذي ناقش معه مشاريع قابلة للإنجاز في جهة الحسيمة [39]. يبدو من خلال المراسلات أن عبد الكريم كان يريد تقاربا مع إسبانيا على أن يظل في إطار التجار والمدنيين والمنجميين والفلاحين، أو الذين أقام معهم علاقات متينة خلال إقامته بمليلية، ولكن كل ذلك يجب أن يقام على أسس تختلف عما كانت عليه من قبل.

سجل تعيين الجنرال فرنانديز سيلفيستري (Fernández Silvestre) قائداً عاماً لمليلية نهاية كانون الثاني/يناير من سنة 1920 استئنافا للعمليات العسكرية نحو الريف الاوسط، لأن القبائل كانت تعاني مجاعة شديدة جراء سنوات القحط المتتالية. ترك عبد الكريم ووالده موقف الحياد الذي كانت ينتهجانه لينضما إلى صفوف المقاومة الريفية. ذهب عبد الكريم وخاله عبد السلام في شباط/فبراير سنة 1920 للانخراط في الحركة التي كانت تحارب التوغل الإسباني. لم يقطع علاقته بمعرفه الإسبان حتى في هذه الظروف. وقع في 30 نيسان/أبريل من سنة 1920 اتفاقية تعاون مع شركة “ستولازرا” (Setolazar) المكونة من رجال أعمال باسكيين: سيتوآيين، أولافرياغا (Olavarriaga) وأورتيث دي زاراتي (Ortiz de Zárate)، بينما كان في صفوف الحركة المناهضة لإسبانيا. تجدر بنا الإشارة أن الاتفاقية كانت تحمل فقط توقيع أولافرياغا (Olavarriaga) دون ذكر عبد الكريم [40]. لاشك انه كان يسعى لجلب استثمارات إسبانية في المنطقة وإبعاد العمليات العسكرية ضدها. إلا أن الوضع المضطرب في قبائل الريف وخصوصاً ببني ورياغل جعل ذلك مستحيلا. كما أن موقف عبد الكريم سيكون صعباً خلال استقباله للخبراء الأجانب الذين سيأتون للقبائل من أجل التنقيب عن المعادن، ومواجهة رفض رجال المقاومة لأي تدخل أجنبي، بالإضافة إلى صعوبة استعادة ثقتهم، إذ سيتم في هذه الحالة اتهامه بالتعامل مع الإسبان، خصوصا إذا ظهر أنه يبحث عن مصلحته الخاصة. كان يستوجب عليه أن يستعيد ثقة أهل قبيلته ويتمكن مكنهم لبسط نفوذه على الباقي، وبالأخص وسط أهالي الريف الذين يعارضون أي تدخل عسكري.

بعدما احتل سيلفيستري (Silvestre) دار الدرويش في 15 أيار/مايو من سنة 1920، ساد غضب واضطراب وسط القبائل أمام تقدم السلطات الإسبانية. حيث عمدت فرق كثيرة تحت قيادة عبد الكريم ووالده في أوساط حزيران/يونيو، إلى الانخراط داخل حركة تافرسيت لتقويتها. أحس الوالد في أوساط شهر تموز/يوليو بتعب شديد فرافقه ابنه إلى أجدير، حيث اشتد مرضه فتوفي يوم 7 آب/أغسطس [41].

أثر رحيل والد عبد الكريم على وضعية الحركة التي أصيبت بالضعف، وما صاحب ذلك من حركة الإسبان على تافرسيت في 5 آب/أغسطس؛ رغم استسلام قبائل بني سعيد وبني ولشيك لاحقاً واستعداد بعض رؤساء القبائل للتفاوض في تمسمان وبين توزين مع الإسبان، شكلت حركة بني ورياغل المرابطة في يوب (قبيلة تمسمان) مقاومة عنيفة لها، وضغطت على القبائل التي كانت مترددة وتنوي التعاون مع إسبانيا. برز عبد الكريم بعد وفاة والده زعيماً من دون منازع في بني ورياغل، وامتدت سلطته غلى القبائل التي لم تكن تخضع له. كما أنه لم يغلق في تلك الظروف باب اي تفاوض محتمل مع الإسبان.

أخبر أنطونيو غوث (Antonio Got)، ممثل رجل الأعمال الباسكي أوراثيو إشيبيريتا (Horacio Echevarrieta)، بين آذار/مارس ونسيان/أبريل من سنة 1921، قبل الانتقال إلى أجدير، سيلفيستري (Silvestre) بفكرة مشروعه للذهاب للتنقيب عن المعادن في بني ورياغل. لم يكن يريد أن يقوم بأي عمل قبل أن يوافق عليه هذا الأخير. حدث أمر حال دون تحقيق ذلك، حينما خرج المفوض السامي برينغير (Berenguer) إلى الحسيمة يوم 28 من شهر آذار/مارس لمقابلة سيلفيستري (Silvestre) والذي كان مفترضاً أن يتم ذلك على متن الخيرالدا (Giralda) تأخر “أصدقاء إسبانيا” لعدة أيام بسبب الاضطرابات الجوية.

كان عددهم هذه المرة محدوداً بحجة سوء الأحوال الجوية، إلا أن هذا العذر في الواقع لم يكن يكمن وراءه إلا مخافة أن ينفذ رجال المقاومة الريفية تهديدهم إذا ما ذهبوا لاستقبال المفوض السامي. تمت معاقبة وجهاء بقيوة وأجدير، وتم الحكم عليهم بأداء ذعائر. استقر غوث (Got) قرب مصب النكور على الساعة التاسعة ليلاً، بعد مغادرته مليلية في 6 نيسان/أبريل من سنة 1921، حيث عقد لقاء مع خال وأخ عبد الكريم، وأوفدهما هذا الأخير باسمه، لأنه اضطر لحضور الجمع الذي سيتم بموجبه فرض ذعيرة على كل من ذهب للسلام على المفوض السامي. في رسالة بعثها غوث (Got) بتاريخ من 9 من شهر نيسان/أبريل إلى الكولونيل موراليس (Morales) يشرح له فيها الوضع الذي قدمه له الرجل وخاله عن تركها التعاون مع إسبانيا؛ إلا أنهما خافا من ان يتم تسلميهما للفرنسيين، كما حصل مع رجال عبد المالك. أما بالنسبة للقبائل المتمردة فكانت الحجة أنه حتى في مليلية لم يتم إرساء الحماية إليها كلية، وأن المسؤولين على شرطة الأهالي غرباء عن البلد، ورغم ذلك كانا مستعدين للقيام بمفاوضات سرية حتى لا تهتز صورتهما في حالة فشلها. اجاب موراليس غوث (Got Morales) يوم 17 يخبره أن سيلفيستري (Silvestre) يقبل التفاوض مع عبد الكريم مباشرة مع معرفة شروطه وانتظاراته مقابل ذلك. كان رأي سيلفيستري (Silvestre) هو أن يقبل عبد الكريم التعاون معهم للقيام بعمليات عسكرية دون أي شرط. علم القائد العسكري لمليلية باجتماع بعض أقسام قبيلة بني ورياغل يوم 13 نيسان/أبريل في سوق بوعفيت لتهديد الذين يتلقون راتباً من إسبانيا، وذهبوا لاستقبال المفوض السامي وفرضوا ذعيرة عليهم. أمر بإطلاق النار على بيوت رجال المقاومة والمجتمعين في السوق الذين سرعان ما تفرقوا. تواصل إطلاق النار بين الحسيمة وضفتها إلى غاية يوم 19، مما اضطر غوث (Got) إلى توقيف برنامجه ومخططه [42].

حاول عبد الكريم رغم هذه العراقيل أن يتوصل إلى حل مع السلطات الإسبانية. وتمكن بهذه المناسبة من أخذ المبادرة بنفسه، حيث كتب إلى الكولونيل موراليس (Morales) يخبره أن محمد أزرقان (العصفور الصغير) هو مبعوثه الخاص [43]. سيتصل لاحقاً هذا الأخير مباشرة بموراليس (Morales) يطلب منه مقابلة عبر رسالة أوصلها إليه [44] بواسطة سيفانتوس (Civantos) ، القائد العسكري للحسيمة، اعتبر عبد الكريم اللقاء إيجابياً بين موراليس وأزرقان، كما أخبره بذلك في رسالة يوم 21 من شهر أيار/مايو [45].

لقد كان سيلفيستري (Silvestre) بكل تأكيد الرجل الذي يأخذ القرار، وبذلك لم يكن يهتم بتقارير موراليس، حيث واصل التقدم نحو الريف الاوسط. تم الاستيلاء على أبران أياماً قليلة بعد ذلك، أي فاتح حزيران/يونيو، لكن سرعان ما تكبدت السلطات الإسبانية اندحارا قبل أنوال.

استمر عبد الكريم يحاول الحصول إلى اتفاق معهم رغم ما حصل في أبران، ولجأ في الأخير إلى سيفانتوس (Civantos). طلب الزعيم الريفي من هذا الأخير أن يوقف القصف عن قبيلة بني ورياغل التي لا يقتل فيها إلا الأطفال والنساء، مما يؤجج العداء ضد إسبانيا. التمس أيضاً أن تتوقف عملية شراء ذمة بعض الوجهاء بالمعاشات والرواتب الذين لا يعملون إلا على تسميم العلاقة وتعقيد عملية إسبانيا. عبر عن رغبته في مواصلة العمل لغاية التوصل لحجل من أجل حقن الدماء التي “تهدر حاليا بالمجانب” وأن الحل “لا بد أن يخدم مصلحة كلا الطرفين” أضاف: “نريد أن نرى حماية سياسية واقتصادية حقيقية بالمنطقة” وبموجب هذا رأى أنه يستوجب على سيلفيستري (Silvestre) أن يوقف العمليات العسكرية إلى غاية التوصل إلى اتفاق. “لقد عرقلت عملية أبران الأمور بعض الشيء، لكن رغبة الرجال في إيجاد حل تبقى أكيدة”. طلب في النهاية من سيفانتوس (Civantos) أن يقنع كلا من سيلفيستري (Silvestre) وموراليس (Morales) بالتوقف عن العمليات العسكرية من أجل التوصل “”لحل يرضي الطرفين [46]”. لم يكن سيفانتوس (Civantos) الرجل المناسب للتفاوض، ّإلا أن رغبته في إعادة العلاقة بين تجار الحسيمة والضفة قد تدفعه للتدخل لدى سيلفيستري (Silvestre) من أجل إيقاف مؤقت للعمليات العسكرية. أخبر سيفانتوس (Civantos) عبد الكريم بعد مدة بأن سيلفيستري (Silvestre) مستعد لإنهاء القصف الجوي والمدفعي إذا قبل الورياغليون أن تحتل إسبانيا ترابهم. استشف من خلال عبارات سيفانتوس (Civantos) احتقارا وانتفاضا من شأن الورياغليين لكونه يصفهم بالمتوحشين، ويدعو إسبانيا أن تتدخل بكل الاشكال لاستئصالهم [47]. لا شيء ولا أحد يستطيع أن يغير موقف سيلفيستري (Silvestre) الذي يسعى لدخول أنوال والحسيمة، وإخضاع قبيلة بني ورياغل.

كان عبد الكريم رغم إصراره على المطالبة باستقلال الريف ومقاومة التدخل العسكري الإسباني يترك دائماً الباب مفتوحاً أمام المفاوضات مع إسبانيا للتوصل لحل سلمي، ليس فقط مع الحكومة الليبرالية لغارسيا برييتو (García Prieto)، ولكن مع دكتاتورية بريمو دي ريبيرا (Primo de Rivera) . إلا أن تصلب كلا الطرفين، اي الذين يعارضون التفاوض مع إسبانيا من جهة، والجنود الذين كانوا يفضلون الخيار العسكري للتوغل في القبائل من جهة أخرى، أدى إلى اندلاع الحرب بدل السلم.

الدولة الريفية والمقاومة من أجل استقلال الوطن

ربما كان ريكيلمي (Riquelme) من القلائل الذين عرفوا قيمة عبد الكريم وفهموا فيما يتعلق بدوره لمساعدة إسبانيا لإرساء الحماية. مقابل الذين يرون فيه “المورو الصديق”. ولقد كان بالتأكيد شهماً، بينما آخرون يعدونه واحداً من الوجهاء المتعاونين مع إسبانيا لا أكثر ولا أقل. رأى فيه ريكيلمي (Riquelme) منذ البداية أنه يجمع من الخصال ما لم يتأت لغيره، ويتوفر على مؤهلات عالية جداً بالمقارنة مع الآخرين؛ لا شك أن ذكاءه وثقافته وأفكاره حول ضرورة الاعتماد على الدعم التقني والاقتصادي لإسبانيا من أجل الرفع من مستوى الشعب الريفي، قد أعطته قيمة مضافة، واعتبر ريكيلمي (Riquelme) تعاونه “ضرورياً لا يمكن الاستغناء عنه”. فسر ريكيلمي (Riquelme) تراجع عبد الكريم وابتعاده عن إسبانيا لسببين اثنين:

-ضرورة استرجاع مجده بين أهله وقبيلته، وما كانت له من مكانة، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بالانضمام إلى صفوف المقاومين الريفيين الذين يعارضون كل تعاون مع إسبانيا [48].

-الأمر الثاني الذي أدى إلى انسحابه مباشرة هو عدم الثقة في إسبانيا، خصوصا بعدما سلمت فرنسا ستين أو سبعين مغربياً من رجال عبد المالك شاركوا في الحرب العالمية إلى جانب ألمانيا.

كل هذه أسباب في الحقيقة غير كافية لتفسير انقلاب عبد الكريم ضد الإسبان، لا بد من التنقيب عن عوامل أخرى أثرت على موقفه. من بينها في الحقيقة شعوره بخيبة الأمل تجاه طريقة تطبيق الحماية التي لم تناسب مع ما كان يتصوره هو ووالده. خضعت القبائل مباشرة لسلطة رجال الشرطة الأجنبية، وكان عبد الكريم يعرف الخروقات التي يمارسونها على ساكنة القبائل. كان يطالب من أجل إرساء حماية حقيقية بأن تكون القبائل تحت سيطرة سلطة البلد. شاطره ريكيلمي الراي، وتبادلا معاً الحديث عن الموضوع في مناسبات عدة. الأمر نفسه عبر عنه أخوه أمحمد إلى لويس دي أوتيثا (Luis de Oteyza) شهر آب/أغسطس 1922 في أجدير: ة”[…] الحماية التي تصورناها يوماً بالإمكان قبولها اكتشفنا أنها غير ذلك تماماً، لا سياسياً ولا عسكرياً” [49]. في السياق نفسه عبر عبد الكريم بالقول: “الحماية مصطلح استعمل أسلوباً ممنهجاً لإخضاعنا والقضاء على حقوقنا [50]”. بالإضافة إلى ممارسات الشرطة الأهلية وتشكي سكان القبائل منها، لم يكن عبد الكريم يجهل النزوات الشاذة للإدارة الاسبانية، خصوصاً العسكرية منها، وهذا ما لمسه بنفسه، لكونه عايشه وشاهده أثناء إقامته في مليلية، رغم اعتماد عبد الكريم على صداقته المتينة مع ريكيلمي (Riquelme) وموراليس (Morales)، إلا أنه كان يعرف مدجى الفساد الذي يعيش فيه عدد كبير من القواد والمسؤولين، والارشاء السائد بينهم. لم يكن الراتب أو المعاش “العجيب” الذي يعطونه لأصدقاء المورو يشكل في الحقيقية إلا طريقة لشراء ذممهم، ووسيلة لإخضاعهم، كما أن إرشاء الموظفين كان أيضاً من الطرق المتبعة لديهم؛ الأمر الذي دفع بعبد الكريم إلى المناداة بتحسين رواتبهم، خصوصاً في مجال القضاء، وكيف لا يعرف ذلك وهو يتكلم عن تجربته حينما كان يمارس تلك المهمة في مليلية. قال في إحدى المناسبات في سنة 1916: “[…] تريد إسبانيا أن تغير من عاداتنا، لكنها لا ترصد الوسائل الناجعة لذلك، إنها تشتري ذمة العاملين في مجال العدل، ولا تكف عن ارتشاء بعضهم، في الوقت الذي من المفروض أن تحسن دخلهم وأوضاعهم، وتغطية كل حاجياتهم للرفع من مردوديتهم وتجعلهم مستقلين من الناحية المادية [51]”.

إذا أغضبت هذه الممارسات والسلوكات عبد الكريم فإن التقدم العسكري الذي قام به سيلفيستري (Silvestre) ابتداء من سنة 1920 كان بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس، ودفعته لابتعاد نهائياً عن إسبانيا، وانخراطه في سلك المقاومة الريفية. لم تكن أفكار عبد الكريم توافق توجهات المقاومة التقليدية العنصرية المعادية لأوروبا؛ على العكس من ذلك، كان يرى ضرورة مساعدة أوروبا، وخصوصا إسبانيا في الريف لإخراج البلد من التخلف والرفع من المستوى الاقتصادي والثقافي للشعب. وفوق هذا وذاك كان يجمعه بسكان الجبال الذين كانت تسميهم إسبانيا بالمتطرفين عامل مشترك مهم يتجلى في: “مواجهة الاحتلال بكل السبل والطرق لصده وإخراجه”. وعلى الرغم من اتفاقه مع مجموعة من المقاتلين التقليديين الذين يعادون “النصراني” إسبانياً، أكان أم أوروبيا، لم يكن الطابع الغالب على تياره دينياً، بل وطنياً، لأنه الوسيلة الأنجع لتحريك حمية الشعب. دعا في مناسبات عدة إلى الجهاد ضد العدو الكافر الغاصب. وجدت ضمن وثائق سرية رسائل بعث بها عبد الكريم يوم 30 حزيران/يونيو من سنة 1921 إلى رؤساء القبائل الخاضعة منذ سنوات مثل قلعية، وأخرى حديثة الالتحاق بها، مثل مطالسة وبني سعيد وتافرسيت، جاء في بعضها ما يلي: “أنتم المورو، إذا كنتم مسلمين حقا فاستمعوا لنا […]، إذا كنتم في صفنا سنقضي على النصارى، دجون ذلك يصعب الأمر علينا […] [52]”.

كانت الحركة التي يقودها عبد الكريم بأمسرأو في تمسمان على حدود بني ورياغل تتقوى يومياً، وينخرط فيها عدد كبير من سكان القبائل، وقد فرض مكانته وقوته بالتدريج للتحكم في زمام الأمور. وعن الدور الذي لعبته هذه القبيلة في المقاومة الريفية قال ريكيلمي (Riquelme) في تقرير يوم 5 آذار/مارس من سنة 1922:

“كانت القبيلة قوية، تشكل مصدر كل تحرك، وتحدد معالم المقاومة. كانت من الدعاة لتقوية الحركة الوطنية التي دعا إليها سي امحند عبد الكريم […] فشكلت القلب النابض للمقاومة، وصار قوادها برئاسة المذكور عبد الكريم نموذجاً للمقاومة عبر الحدود. اتسموا بالفكر الثائر، يعدون القبائل الأخرى بالنصر القريب وإخراج “النصراني العدو”، كما كانوا يهددون بعض القبائل المتعاونة مع إسبانيا. الأمر الذي شكل لنا عقبة حقيقية في استعادة الأراضي القديمة التي كنا قد اخضعناها أو التوغل نحو التي لم نطأها بعد [53]”.

تم الاعتراف في بادئ الأمر بعبد الكريم زعيماً للمقاومة نهاية نيسان/أبريل من سنة 1921 ببقيوة وقبائل بني وورياغل وبجبل القامة المحاذي لتروكوت بقبيلة تمسمان، أي قبل أنوال. وصل إلى هناك خمسون فرداً من الوجهاء الذين يمثلون الأقسام الخمسة لقبائل بني ورياغل وبقيوة، حيث أدوا القسم للجهاد وراءه ضد إسبانيا [54]. كما تمت مبايعته أميراً عليهم في مناسبة أخرى هامة، وكان ذلك في فاتح شباط/فبراير من سنة 1922، إذ وقع أحد عشر من وجهاء القبائل رسالة يقرون فيها تعيينه اميراتً عليهم امتثالاً “لما جاء في الكتاب والسنة النبوية” [55]. من خلال ما ورد في الرسالة يجب أن يفهم من المصطلح معنى “القائد العسكري والسياسي”. ما حصل في جبل القامة والوثيقة التي وقعها الوجهاء أعطي لعبد الكريم سلطة مطلقة في الريف الأوسط، وكذلك في القبائل الأخرى التي انضمت كلها لتشكل حركة المقاومة الريفية. كانت تلك المناسبة الوحيدة في التاريخ الحديث لبني ورياغل، حيث تركت الأفخاذ النزاع لتتحد داخل صف واحد من أجل إخراج المستعمر الذي كانت إسبانيا تطبق فيها مقولة “فرق تسد”. يرجع الفضل في كل ذلك لعبد الكريم في جمعها لمواجهة التدخل الأجنبي، ليس في بني ورياغل فقط، بل في كل القبائل. تشجعت هذه الأخيرة كلها للانخراط في حركته، وكانت قلعية من بينها، خصوصاً حينما انهارت كل المواقع الإسبانية حتى القريبة من مليلية. حكى الملازم سانث في 30 تموز/يوليو من سنة 1921، حينما كان سجيناً في قبيلة بني بوغفار عن الحماس الذي كان يخيم على السكان، والذين ظلوا يلتزمون بتنفيذ الأوامر دون مناقشة أو تساؤل. وجه لهم عبد الكريم رسائل تخبرهم بأن قبائل تطوان والعرائش وسبتة مستعدة للقيام بما أنجزه أخوه في قليعة [56]، كما تبين شهادة أخرى أنه كان فخورا بمجاله الترابي. تحدث الملازم الأول، الذي قبل أن يتم نقله إلى أجدير من سجن أولاد ستوت، عن لقاء مع أحد رؤساء العمال في اشغال مد الطرقات “من المورو” الذي رغم الراتب الجيد الذي كان يحصل عليه، فإنه يشعر بسعادة حقيقية “لكونه مورو، ويجب أن يدافع من أجل أن تكون الطريق للمورو” وأنهم عازمون على تحقيق ما يفرض عليهم من واجبات [57].”

بعد الاعتراف به زعيماً على مستوى الريف، كان لا بد من أن يبحث عن امتداد دولي. ارتفع مستوى حركة المقاومة لتخرج من قوقعة القبائل، بل المغرب بأكمله لتنتقل إلى بعض البلدان المستعمرة أيضاً. عمل عدد من الأوربيين الذين اقتربوا من عبد الكريم، وقد كانت وراءهم أهداف من دون شك لكي يعترفوا بضرورة استقلال “الحكومة الريفية” التي شرع عبد الكريم في إرساء أسسها. كان المكان المناسب للإعلان عن مثل هذه المواقف والمبادرات في هذه الحقبة هو عصبة الأمم في جنيف التي عوضتها لاحقاً منظمة الأمم المتحدة. وجاء في هذا السياق أول خطاب وجه جون أرنال (John Arnal) من لندن في 5 أيلول/سبتمبر من سنة 1921. دافع فيه عن حق الريفيين في إنشاء الهلال أو الصليب الأحمر، والاعتراف بهم بأنهم جماعة من المحاربين وليسوا بإرهابيين [58]. بدأت تظهر “جمهورية الريف” في مراسلات عبد الكريم، كما ورد في تلك التي أرسلها له دانييل بورمانسي ساي (Daniel Bourmancé Say) موجهة إلى “رئيس الجمهورية الريفية” [59]. ومن المفيد التذكير هنا بأن هذا الأخير هو الولد الذي تبناه السيد ساي، وأصبح من رجال الأعمال، وتمكين من تشييد ميناء ساي على الحدود المغربية الجزائرية. حاول السيد ساي بكل الوسائل منذ عهد المحتال بوحمارة بداية القرن العشرين إقامة قناة فرنسية مؤثرة في الريف، انطلاقاً من الجزائر، كما سار على نهجه ابنه بالتبني الذي حاول تطوير العلاقات التجارية مع المنطقة، كما سعى أيضاً إلى تهريب حتى السلاح. لم يلبث كثيرا أن تحول دانييل بورمانسي ساي (Daniel Bourmancé Say) إلى مدافع حقيقي عن القضية الريفية، محاولاً إقناع الفرنسيين بتغيير موقفهم تجاه عبد الكريم للحصول مستقبلاً على امتيازات اقتصادية في المنطقة. استمر في علاقة طيبة مع عبد الكريم، وقدم له خدمات هامة؛ كان هو من غطى مصاريف تنقل الوفد الريفي الذي توجه إلى باريس في كانون الثاني/يناير من سنة 1922 بهدف دعم القضية الريفية. تعاون معه حدو بن حمو الذي كان له محل تجاري للأقمشة والقطاني في ميناء ساي. ينتمي هذا الأخير لقبيلة بقيوة المحاذية لبني ورياغل، هاجر إلى الجزائر على غرار بعض سكان القبيلة، ودخل في حماية السيد ساي. كان حاذقاً في التجارة والمناورات، وسرعان ما أصبح من الشخصيات البارزة في عملية التقرب من السياسة الفرنسية التي كان ينتهجها عبد الكريم في إحدى الفترات، لكن دون جدوى. إذ كان بورمانسي ساي (Bourmancé Say) وحدو بن حمو يتمنيان أن تفرض فرنسا حمايتها على الريف ليتمتع عبد الكريم باستقلال أوسع. راحت الإشاعة بأن حدو بن حمو يمكن أن يكون من رجال المخابرات الفرنسية، ونظراً لعلاقته المتينة ببعض كبار الشخصيات في الحماية الفرنسية لا يمكننا أن نستبعد ذلك [60]. نجد إلى جانب حدو بن حمو وبورمانسي ساي (Bourmancé Say) رجالاً آخرين مثل هنري لوتوليي (Henri Letellier) ورئيس جريدة “لوجورنال دو باري” (Le Journal de Paris) بالإضافة إلى الصحفي ودون دو تالييس (Jean de Taillis) . كان هؤلاء جميعاً يهمهم أن يخضع الريف للحماية الفرنسية. أصبح هذا الأخير رائداً في الشؤون الريفية منذ بداية القرن العشرين، كان يقضي وقتاً طويلاً في بيت ساي، وتربطه به صداقة حميمة. شكل استغلال مناجم الريف أهم أهدافه، قدم مرة طلباً إلى لجنة المنازعات المنجمية في المغرب يريد استغلال مناجم جبل حمام في قبيلة بيني ورياغل [61]. يمكن اعتبار بورمانسي ساي (Bourmancé Say) وحدو بن حمو ولوتوليي وتايليس من جماعة اللوبيين المدافعين عن مصالح فرنسا والمؤيدين للقضية الريفية. تم طبع أوراق تحمل شعار “الجمهورية الريفية” في المراسلات الخارجية. وكانت كل تلك المراسلات تطبع في مطبعة بورمانسي ساي، كان الخاتم دائرياً، كتب عليه “الجمهورية الريفية” وفي دائرة صغيرة بالداخل كتب “مجلي الوزراء”. بدأ تداول “دولة الجمهورية الريفية” ينتشر في العقود التجارية والمنجمية المحررة بالفرنسية والإسبانية، وحتى الأنجليزية منها، كتلك التي وقعها يوم 30 نيسان/أبريل من سنة 1923 مع غاردنير (Gardiner) [62].

أحس الأنجليز قبل ظهوره، بأنهم مقصيون من استغلال مناجم الريف، فتحرك على الخصوص منهم أرنال (Arnal) الذي تدخل لمرات كثيرة لدى القنصل العام البريطاني بطنجة كي تدعم لندن القضية الريفية. اقترح أرنال (Arnal) توجه وفد ريفي إلى أنجلترا من أجل إقناع الحكومة البريطانية بمشروعهم. وهذا ما تم بالفعل، إذ سافر أعضاؤه في شهر حزيران/يونيو من سنة 1922، ورغم طوال المدة التي قضاها الوفد في العاصمة الأنجليزية فقد رفضت الحكومة استقباله، ونفت عنه كل الشرعية [63]. قرر أرنال (Arnal) أن يقوم بخطوة أخرى لدى عصبة الأمم، وبعث ملتمساً في 6 أيلول/سبتمبر من شهر 1922 عبر رسالة وجهها إلى الجمعية العمومية للمنظمة المذكورة يطلب فيها الاعتراف بالجمهورية الريفية. كانت الرسالة مرفقة بملق وقعه محمد بن محمد بوجبار (صهر عبد الكريم) وعبد الكريم الحاج علي، باعتبارهما الممثلين الشرعيين المفوضين عن الريف. تضمنت تلك الرسالة إحدى عشر نقطة، تحدد بموجبها قواعد الدولة التي ينوي إرساءها الريفيون، الذين يمثلون إحدى وأربعين قبيلة من قبائل الريف وغمارة. كانت كل النقط الواردة في الرسالة تحيل على جمعية تم اختبارها لتحكم البلاد طبقاً للأهداف المسطرة من لدن عصبة الأمم. كما أضيف أيضاً بأن البرلمان سيتم انتخابه كل ثلاث سنوات وسيتولى أعضاؤه اختيار الحكومة [64]. لم يرد مصطلح “جمهورية” في هذا الملف.

شهدت سنة 1923 دخول شخصيات أنجليزية أخرى على الساحة، منها القبطان شارل ألفريد بيرسي غاردنير (Alfred Percy Gardiner)، الذي وصفته الأجهزة البريطانية بأنه “مغامر سيء السمعة في المعاملات المالية”، وثق به عبد الكريم إلى درجة أنه كان ينوي تعيينه في 30 نيسان/ابريل من سنة 1923 وزيراً وسفيراً فوق العادة، ومستشاراً حكومياً في الجمهورية الريفية، وأن يوقع نيابة عنه أخوه امحند اتفاقية يتم بموجبها أيضاً تعيينه وزيراً في الشؤون الخارجية للجمهورية الريفية. كانت أكبر خدعة تعرض لها عبد الكريم، ولم يحصل ولو على فلس واحد من الملايين التي وعده بها غاردنير (Gardiner)، مقابل استغلال مناجم الريف الخيالية [65]. لم يلبث أن اكتشف بأنه لم يكن سوى نصاباً مخادعاً. فهم ذلك سنة 1924 حينما علم بأن الورقة النقدية “الريفية” كانت تزويراً وتضليلاً. استغله أيضاً في عملية شراء أسلحة لم تدخل قط إلى الريف، وما جاء به كان في حالة رديئة، وتلقى عنها عمولة باهضة بحجة غلاء النقل البحري. كان غاردنير (Gardiner) هو من تلا المذكرة بالأنجليزية أمام عصبة الامم، حيث قال بان الريفيين أسسوا الحكومة الريفية، واعترفوا بها، ويلتمسون من عصبة الأمم أن تعترف بها، على المستوى الدولي [66]. وبما أن غاردنير (Gardiner) كان عديم الأهمية، لم تعط قيمة كبيرة لما قيل عن إرساء الدولة الجديدة.

لم ترد عبارة “الجمهورية الريفية” إلا في الوثائق الدولية التي قدمها عبد الكريم للفرنسيين والأنجليز، ولم تظهر في وثائق المعاملات مع الإسبان، كانت العبارة المتداولة هي الشعب الريفي، والحكومة الريفية، أما بالنسبة للمراسلات الداخلية فقد كان رؤساء القبائل يتوجهون لعبد الكريم بعبارة “سيدنا المجاهد الكبير” أو “المجاهد” إلا أنهم لم يستعملوا قط عبارة رئيس الجمهورية، ما كان يهم الجميع هو الدفاع عن حرية الوطن ضد الاحتلال الاجنبي. عن هذا الموضوع قال أحد المقاتلين الريفيين: “كان المجاهدون يتكلمون عن الجمهورية، لكننا لم نعرف ماذا يعني بها تحديداً”. ما كان رائجاً متداولاً ويتردد على ألسنتهم هو تحرير الشعب، وقد شكل لهم عبد الكريم أملاً كبيراً، “يجاهد لأجل إخراج العدو الأجنبية من بلادنا [67]”.

كان مصطلح الجمهورية يعني بالفرنسية نموذجاً دستورياً يمكن تطبيقه في الريف، ولا يمكننا أن ننسى بأن عدداً كبيراً من الفلاحين الريفيين كانوا يسافرون سنوياً إلى الجزائر للعمل في الحقول الفرنسية. كان مصطلح جمهورية على كل حال يعني لعبد الكريم خلق دولة متفتحة على التطور والحداثة؛ ربما كان كذلك يسعى في أسوأ الأحوال إلى تطوير الجهاز الريفي العتيق وتحديثه، وإدخال إصلاحات عليه. كان التفاف القبائل حول قائد يعني كما قال هارت مونتغميري (Hart Mongomery) “المتوقع فوق النظام” وإنجاز الإصلاحات.

أعاد عبد الكريم هيكلة التقسيم العشائري على غرار تقسيم المخزن، إلا أنه بدل أن يكون سلطاناً على رأس الهرم، صارا قائداً أعلى. كان يرى بأن التقسيم العشائري لا يساعد على الوحدة، ولا يمكن ان يكون نموذجاً صالحاً لبناء الدولة. عين على القبائل أكثر من قائد، كما حصل في قبيلته بين ورياغل بحجة أنها أكبر القبائل وبها كثافة سكانية عالية ولديها افخاذ توازي قبائل بأكملها في أي جهة أخرى. بهذا كان يرضي الإمغارن لإخماد الصراعات بين مختلف الأفخاذ وأقسامها؛ وهو الذي يعينهم ويخضعون له مباشرة. كان لإمغارن الحق في الانتخاب وعزل القائد. يمكننا القول بأن عبد الكريم هو من أرسى فعلا نظام “الحماية الحقيقية” التي كان يطالب بها دائماً، وأن يحكم القبائل أبناؤها، وليس قبطانات الشرطة الأهلية. ويعد الفرق في هذا السياق أنه الحاكم الذي يترأس الريف وليس السلطان، وليس لديه مخزن ولا حماية، ولا تدخل لأي أجنبي في ترابه. لقيت حركة عبد الكريم شعبية كبيرة، وليس فقط في البلدان الإسلامية مثل المغرب العربي، بل تجاوزها إلى دول أخرى، مثل مصر، وبدأت المناداة لجمع المساعدات والتبرعات للقضية الريفية، وتجندت المساجد بالدعاء لها بالنصر. وصل التضامن إلى غاية الهند، كما تؤكد ذلك المراسلات التي بعث بها مسلمو دلهي إلى عصبة الأمم، والذين اجتمعوا في المسجد الأعظم بالمدينة من أجل الصلاة والدعاء للريفيين، وكذلك مجلس الخلافة المركزي ببومباي، والجمعية الإسلامية لكيرالا (Kerala)، هؤلاء جميعاً أدانوا اعتداء الفرنسيين والإسبان على “إخوانهم الريفيين” المجاهدين من أجل حريتهم واستقلالهم [68]. لم يتوقف الدعم من البلدان الإسلامية فقط، بل تعداها إلى تجمعات أخرى بعثت برسائل تضامن إلى عصبة الأمم، مثل فيدرالية نوادي النساء السود بشيكاغو التي وجهت أزيد من خمسة عشر ملتمساً وخطاباً لصالح الريفيين [69]. تم إرسالها كلها تقريباً بعد إنزال الحسيمة في 8 أيلول/سبتمبر من سنة 1925.

اتسم تحرك الحركة الإسلامية الهندية بالقوة، وذلك للعلاقة المتينة التي كان يحافظ عليها هنود أنجلترا مع وطنهم الأم. ولقد ظلوا منذ سنة 1922 يتوسطون لدى السلطات البريطانية لبعث قافلة طبية هندية إلى الريف. ثم كرروا المطلب نفسه في سنة 1924، وبالأخص في سنة 1926، حيث عادوا لطرح مطلبهم سنة 1925 أمام الصليب الأحمر البريطاني لكي يتوسط لدى نظيره الإسباني لإرسال أدوية ومعدات طبية للريفيين بواسطة الصليب الأحمر البريطانيين [70]. فشلت مرة أخرى محاولة نقل مساعدات طبية إلى الريف، لم يعر الصليب الأحمر الإسباني أهمية للتدخل لصالحهم؛ وبدعوى إذا كانت صحة الريفيين سيئة فإن حالة الجنود الإسبان أسوأ، كانت تصل للريفيين أدوية قليلة عبر الحدود الفرنسية. ارتفعت نسبة الوفيات بين الجرحى، وبالإضافة إلى المصابين بأمراض خطيرة، مثل الحمى الصفراء والجدري والحكة والكوليرا. الأمر نفسه عانى منه المدنيون، علاوة على أضرار الغازات السامة التي كان الإسبان يلقونها عليهم. كان المصاب بالأمراض حسب بعض الشهادات، يعاج نفسه بأكل بصلة حمراء، ويضع فوق جرحه قليلا من سحيق القرفة والفلفل الأحمر والخرقوم، ولا أحد يمكن أن يقتنع بأن مثل هذه الأدوية التقليدية قد تساعد الجرح بأن ينجو من الغنغرينا [71]. أصبحت ظروف القبائل صعبة، إذ وجدوا أنفسهم في بعضها مجبرين على “المونة”، اي إطعام الذين يوجدون معهم في قبيلتهم من مناطق أخرى. شح الأكل عند سكان القبائل، خصوصاً حينما قلت الأمطار وساءت السنة الفلاحية. كان أمر المجاهدين عجيباً، يمكنهم أن يكتفوا طول اليوم أو لمدة 48 ساعة [72] بقطعة بصل وخبز. عانى المقاتلون من شدة البرد، وبالأخص في المناطق الجبلية خلال بعض فترات السنة. كتب القائد حمو بن جدو رسالة إلى أحمد بوشايب في 19 أيلول/سبتمبر من سنة 1925 يطلب منه أن يشتري له جلد خروف دافئ لأن البرد سيقتله [73].

تجسدت مساندة الريف الخارجية في “لجنة الريف” التي أنشاها غردون كانينغ (Gordon Canning) في لندن يوم 4 تموز/يوليو من سنة 1925، كان من بين أهدافها الاعتراف بالريفيين كمقاتلين، والسماح للقوافل الطبية بالدخول إلى تراب الريف لتخفف من معاناة الأطفال والنساء والمرضى، وما يعانوه من إصابات، فضلاً عما كانوا يتعرضون له من مخلفات القصف الجوي المكثف ضدهم. كانت هناك بالموازاة تحركات في عصبة الأمم ليتم الاعتراف بالدولة الريفية. شكلت العرائض التي وجهت للصحافة والبرلمان مادة رئيسية للتعريف بقضية الريف [74]. حاول غرودون كانينغ (Gordon Canning) كاتب تلك اللجنة أكثر من مرة أن يلعب دور الوسيط بين الإسبان وعبد الكريم من جهة، وفرنسا وعبد الكريم من جهة أخرى وذلك من أجل التوصل إلى حل سلمي، إلا أن تحركاته باءت بالفشل. قام الحزب الشيوعي الفرنسي في سنة 1925 بعدة لقاءات ومظاهرات ووقفات تضامنية مع عبد الكريم للتعريف بقضية الريف. تدخل أعضاؤه أمام البرلمان ضد حرب الريف في كل المناسبات، نذكر على سبيل المثال نموذج مارسيل كاشين (Marcel Cachin) 29 أيار/مايو 1925 وجاك دوريوت (Jacques Doriot) الذي دافع خلال تلك السنوات عن القضية الريفية بشدة وحماس [75]. أدت معارضة الشيوعيين الفرنسيين والأممية الثالثة للحرب ودعمهم المعنوي للريفيين إلى اتهام عبد الكريم بأنه يتلقى دعماً من روسيا، وهذا ما أصبحت تتداوله الصحافة المتدمرة، فضلاً على ادعاءاتها بوجود بلاشفة بالريف؛ لم يلاحظ أحد قط في تلك الأرض أن عبد الكريم كان على علاقة بشيوعيين فرنسيين ولا روسيين، إلا أن هاجس البلشفية صار يؤرق في تلك الآونة حتى الحكومة نفسها التي كانت ترى يدها الخفية في كل مكان.

المقاومة بعد الكريم و”إقرار السلم” في الريف

بعد أن استسلم عبد الكريم للفرنسيين في 27 أيار/مايو من سنة 1926، تواصلت المقاومة بقيادة رؤساء آخرين، نذكر من بينهم أحمد بن محمد الجريرو من قبيلة بني حوزمار في جبالة. ينحدر هذا الأخير من وسط فقير، واشتغل راعياً عند الحرطيطي أحد وجهاء القبيلة، ومن الموالين للريسوني. انخرط الجريرو وسيده منذ البداية ضمن مقاتلي الشريف [76]. ونظرا لسلوكات هذا الأخير تجاه الإسبان، خصوصاً بعد أحداث سيدي موسى في تشرين الأول/أكتوبر من سنة 1923 ابتعد عنه الجريرو شيئا فشيئا ليقاوم الاحتلال الأجنبي، ويشارك بفعالية في انتفاضة قبائل جبالة وغمارة حيت تقوت علاقته بعبد الكريم منذ سنة 1924. تكلم هذا الأخير عن تلك الأحداث في 19 من شهر نيسان/أبريل من السنة نفسها، خصوصاً ما حصل منها في غمارة [77]. كان الجريرو هو من القى القبض على الريسوني في تازروت نهاية كانون الثاني/يناير من سنة 1925، وساقه أسيراً إلى عبد الكريم.

قام الإسبان بعد محاولات لكي يستسلم، وساعدهم في ذلك القواد الأصدقاء لكنهم لم يفلحوا، وواصل القتال إلى أن اغتالته القوات الإسبانية في قبلية بني يدر بجبالة يوم 3 تشرين الثاني/نوفمبر من سنة 1926 عن عمر يناهز ثمان وعشرين سنة. إلى جانبه، كانت هناك شخصيات أخرى للمقاومة، واصلت القتال بعد استسلام عبد الكريم، نذكر منهم أحمد بودرة ومحمد التمسماني وعلي أخمليش السليطن. كان الأول وزيراً للحرب عند عبد الكريم، انتهى بالاستسلام، وتحول إلى صديق وفي لإسبانيا، بينما التمسماني اختبأ في المنطقة الفرنسية، وسلم السليطن نفسه إلى الفرنسيين في أوائل تموز/يوليو من سنة 1927، وبعد فترة قليلة قبل أن يعلن سانخورخو (Sanjurjo) في باب تازة عن انتهاء الحرب يوم 10 من الشهر نفسه؛ تعرض القواد الذين بقوا أوفياء لعبد الكريم للمطاردة والسجن. فر بعضهم للمنطقة الفرنسية، وآخرون إلى الجزائر، كما ألقي القبض على بعضهم؛ ومنهم من تحول بعد ذلك إلى متعاونين أوفياء.

بدأت بعد القضاء على المقاومة مرحلة أطلق عليها فترة “إقرار السلم” التي أشرفت عليها تحديداً القوات الصدامية التي كانت ممارستها الحربية والتوسعية ترتكز على العنف والضرب والقتل والتنكيل والتعذيب، واصلت الاساليب نفسها حتى في المرحلة الجديدة. اتسمت وسائل إخضاع القبائل لتسليم السلاح بوحشية بشعة. من كان يرفض الأمر يجبر على حفر قبره الذي سيرمى فيه، وآخرون يتم تعليقهم من أرجلهم ورؤوسهم إلى اسفل حيث يجلدون إلى أن يعترفوا [78]. بعضهم كان يخفي السلاح وسط الجبح، لأن الإسبان لا يمكنهم أن يتصورا ذلك مخبأ، أو في قبو تحت الأرض لا يعرفه إلى من دس سلاحه به [79].

أغدق بريمو دي ريبيرا (Primo de Rivera) بسخاء على القواد والضباط الذين قادوا هذه العملية. وشَّحَ الملك في فاتح أيلول/سبتمبر 1927 سانخورخو (Sanjurjo) بوسام ماركيز جبل ملموسي ليوشحه بعد ذلك بوسام ماركيز الريف، وقلده الصليب الأعظم سان فرناندو (San Fernando) كما تمت في أوائل تشرين الأول/أكتوبر من سنة 1927 ترقية رؤساء الألوية ، فديريكو برنغير (Fedérico Berenguer) وكاسترو خيرونا (Castro Girona) القائدين العامين لسبتة ومليلية، وتوشيح باقي الضباط. أصبح كوديد (Goded) رئيس الأركان العليا مع سنخورخو (Sanjurjo) ومحظيه، وجنرالا لكتيبة في أواخر سنة 1925، وطال الأمر نفسه بالنسبة لمولا (Mola) وبالميس (Balmes). وترقى ميلان استراي (Millán Astray) من جنرال كتيبة إلى كولونيل شرفي للوائين.

اغتنم بريمو دي ريبيرا (Primo de Rivera) الفرصة في ختام المأدبة التي أقامها المجلس الغقليمي على شرف الملك ليعبر عن تنويهه الخاص لبرنغير (Berenguer)، مادحاً إياه بالقول: “إنه رجل عظيم، رجل شريف” الذي لم ينصف بعد، والتمس من الملك أن يعين المفوض السامي السابق كونتا على الشاون، وهذا ما استجاب له الفونسو 13 (Alfonso 13) على الفور. يومان بعد ذلك خلال زيارة الملك للحسيمة رفقة برنغير (Berenguer) وسانخورخو (Sanjurjo)، قال هذا الأخير للأول” “إنه دور التابع” وتعانق الجنرالان [80]. أعطيت امتيازات كثيرة للجنرال المنتصر لدرجة أن المدينة التي بدأ تشييدها في الحسيمة أطلق عليها اسم “فيلا سانخورخو ( Villa Sanjurjo)”.

وعمد في أجواء فرصة الانتصار السائدة إلى تنظيم الجيش من جديد بهدف إرساء الحماية، ومن منطلق أنه بلد مستعمر فإن الدور الأساسي يعود للجنود.

جزئت المنطقة إلى خمسة أقسام إدارية: الجهة الغربية، وغمارة والريف، والجبهة الشرقية، يرأس كل واحدة منها مراقب جهوي أو إقليمي، حيث تنقسم كل جهة إلى أقاليم، وهذه الأخيرة إلى قبائل ووحدات عشائرية بقيادة مراقبين محليين الذين كان دورهم مهماً جداً بحكم احتكاكهم اليومي بالسكان، خصوصاً مع القواد. كان الشيوخ يعملون تحت مسؤوليتهم، ويتحكمون في عدة دواوير، يشرف عليها مقدمون، كل واحد عن أدوار أو قرية. تتحدد وظيفة المراقب المحلي مدنياً وعسكرياً (أنظر الجاسوسية)، في التعاون مع القائد، ويفرض رقابة خاصة على مجالهم الترابي، ويتوجب على الشيوخ والمقدمين الذين يعملون تحت سلطته أن يخبروه بما يحصل عندهم بالشاذة والفاذة، ومهما كان نوعهما، تحول القواد إلى جهاز يعمل لصالح الاستعمار الذي يمنحهم رواتبهم. كان يجب عليهم أن يشتغلوا باستمرار لحساب الإدارة الإسبانية، ويخبروا المراقب المحلي الذي بدوره يطلع المراقب الإقليمي، وهذا بدوره يعلم الجهوي الذي يكاتب مباشرة مندوب الشؤون الأهلية. أمام هذه الترسانة من التقسيمات الإدارية والترابية العسكرية، كانت مفوضية شؤون الأهالي تفرض سيطرة تامة على قبائل الحماية [81].

كان كاباز (Capaz)، مهندس جهاز المراقبين، أحد العساكر الذين صنعوا لأنفسهم مساراً مهنياً سهلاً في المغرب، بعد ترقيه إلى ملازم أول عُيِّنَ مراقباً جهوياً بغمارة، كما تمت ترقيته بعد فترة وجيزة إلى كولونيل ورئيس مفوضية شؤون الأهالي، المنصب الذي شغله إلى غاية تنحيته في تشرين الثاني/نوفمبر من سنة 1931. لم يتغير نظام الجهاز الذي أرساه كاباز (Capaz)، إذ استمر في عهد الجمهورية، وسهل أمر تجنيد المغاربة داخل صفوف الجيش الفرانكي.

انتهت حروب المغرب، لكن بصماتها وجراحاتها بقيت موشومة في السياسة الداخلية الإسبانية، وعلى الرغم مما يبدو، لم تمنح نهائيا صفحات أنوال. ألغى بريمو دي ريبيرا (Primo de Rivera) بواسطة مرسوم قانون في أيار/مايو من سنة 1924 القانون المعمول به بين سنوات 1918 و1922 الذي يمنع استغلال النفوذ في الترقيات لأسباب حربية. جاء لتطعيم هذا المرسوم قانون الترقيات والتعويضات الصادر في نيسان/أبريل سنة 1925 الذي ينظمها. كان أول من استاد من هذا القرار القوات الصدامية التي شاركت بباسلة في إنزال الحسيمة، وعمليات عسكرية لاحقة بقيادة فرانكو (Franco) الذي ترقى من كولونيل منذ شباط/فبراير 1925 إلى جنرال لواء في شباط/فبراير 1926. بهذه الترقية، كان طبيعيا أن يحلم كل القواد والضباط اللوائيين متمنين أن يصبحوا مثله جنرالات في سن الثلاثة والثلاثين. خلف وابل الترقيات والامتيازات التي حصل عليها جيش إفريقية من جديد غضباً واستياء لدى العسكر الذين لم يستفيدوا من تلك “الإكراميات” إذ بقي جلهم وفياً للخونتاس التقليدية. تصاعد الغضب ضد الملكية، ليس تعاطفا مع الجمهورية، ولكن نقمة على الملكية. إلا أن البعض أصبح يجاهر بضرورة التخلي عن الدكتاتورية والعودة إلى جمهورية منتخبة لكن بدون ملك.

وإذا كانت هزيمة أنوال أفرزت بوادر الدكتاتورية، فإنها جاءت تحمل في طياتها أسباب زوالها مع امتداد الزمن. أدى الانتصار على عبد الكريم إلى تقوية الجناح المتطرف في الجيش، خصوصاً لدى القوات الصدامية، إذ شكلت رأس الرمح الذي اعتمد عليه فرانكو (Franco) وانتفض في المغرب سنة 1936 ضد الجمهورية بإسبانيا.

إحالات

[1].لجنة تحديد المسؤوليات، ص. 117 .

[2].ن.م.س.ص. 25.

[3].لم يكتب عبد الكريم كل المقالات باللغة العربية، بل ساهم فيها أيضاً حبيب أبو سليمان السعدي، سوري في خدمة الإدارة الإسبانية. وصلتني هذه المعلومة عن طريق مؤرخ من مليلية فرانسيسكو سارو (Francisco Saro).

[4].حول محتوى هذه المقالات، أنظر جرمان عياش أصول حرب الريف ص. 178-186.

[5].لجنة تحديد المسؤوليات، ص. 117.

[6].أ.إ.ف، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[7].رسالة الجنرال خوردانا (Jordona)، القائد العام لمليلية إلى والد عبد الكريم في 17 أيلول/سبتمبر 1914، أ.إ.ف. المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 519.

[8].أنظر بالخصوص الرسالة التي وجهها والد عبد الكريم إلى عبد المالك محيي الدين بتاريخ 4 تشرين الأول/أكتوبر 1915، أ.إ.ف، المغرب، وثائق عبد الكريم، مج 519.

[9] جرمان عياش، م.س.ص، 205.

[10].لجنة تحديد المسؤوليات، ص. 117.

[11].جرمان عياش، م.س.ص. 208-209.

[12].ن.م.س.ص 212 حول شخصية فارلي (Farle) وخدماته، م.س. إحالات: 37، 38، 39.

[13]. ن.م.س.ص. 214.

[14.ن.م.س.ص. 2016.

[15].فكتور رويث البينيز (Victor Ruiz Albéniz)، طنجة والتعاون الفرنسي الإسباني، ص. 17-18.

[16].لجنة تحديد المسؤوليات، ص. 118.

[17].رسالة وجهها الجنرال خردانا (Jordona) إلى والد عبد الكريم، 3 تشرين الأول/اكتوبر 1915، أ.إ.ف.، المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 519، ورسالة الجنرال أإثبورو (Aizpuru) 19 تشرين الأول/أكتوبر 1915، ن م.س. مج. 518.

[18].لجنة تحديد المسؤوليات، ص. 118.

[19].فكتور رويث البينيز (Victor Ruiz Albéniz)، م.س.ص. 118.

[20].لجنة تحديد المسؤوليات، ص 118.

[21].رسالة إي بانكوس (Ybancos) إلى والد عبد الكريم يوم 7 كانون الأول/ديسمبر 1915، أ.إ.ف، المغرب، وثائق عبد الكريم، ص. 155-156.

[22].لجنة تقصي الحقائق، ص. 118-119.

[23].رسالة ريكيلمي (Riquelme) إلى والد عبد الكريم من 6 إلى 23 و27 نيسان/أبريل 1916، أ.إ.ف.، المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[24].أ.إ.ف.، المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[25].جرمان عياش، م.س.ص. 236-239.

[26].رسائل وكانديدو لوبيز (Cándido López)، خلف القبطان رئيس مفوضية الشؤون الأهلية بالحسيمة إلى عبد الكريم من 17 إلى 22 نيسان/أبريل 1917، أ.إ.ف.، المغرب، وثائق عبد الكريم، مج 517.

[27].رسالة مانويل مانويل سيفانتوس (Manuel Civantos)، قائد عسكري بالحسيمة، إلى عبد الكريم بتاريخ 15 أيار/مايو 1917، أ.إ.ف. المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[28].أ.إ.ف. المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[29].لجنة تحديد المسؤوليات، ص. 121-122.

[30].ن.م.س.ص. 119-120.

[31].ن.م.س.ص. 120.

[32].رسائل سيفانتوس (Civantos) إلى عبد الكريم من 9 إلى 20 و21-22 شباط/فبراير 1919، أ.إ.ف. المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[33].أ.إ.ف.، المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[34].ن.م.س.

[35].ن.م.س.

[36].ن.م.س.

[37].رسالة غييرمو بيروس (Guillermo Preus) إلى عبد الكريم 14 حزيران/يونيو 1919، ن.م.س.

[38].رسالة كانديدو لوبيز (Cándido López) إلى عبد الكريم 17 حزيران/يونيو 1919، ن.م.س. كانديدو لوبيز كاستيييخوس (Castillejos Cándido López) قضى عدة سنوات في شرطة الأهالي، ترقى بعد ذلك إلى قبطان من جندي بسيط سابقاً. كان مهتماً بالثقافة المغربية فاهتم باللغة العربية والريفية. تم إعدامه في مليلية سنة 1936 بسبب انتمائه لليسار الجمهوري، حزب (Azana). حصلت على هذه المعلومات من فرانسيسكو سارو (Francisco Saro).

[39].رسالة رفائيل فرنانديز كاسترو (Fernández Castro Rafael) إلى عبد الكريم، 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1919، أ.إ.ف. وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[40].أ.إ.ف. المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[41].جرمان عياش، م.س.ص. 302-303.

[42].حول تحركات غوث (Got)، أنظر فكتور رويث البينيز (Victor Ruiz Albéniz)، إيشي أومو (Ecce Homo)، ص. 252-262، أنظر كذلك جريدة “إلصول” 3 (El Sol) تشرين الثاني/نوفمبر 1921، التي نشر بها رويث ألبينيز (Ruiz Albéniz) هذه الوثائق.

[43].أنظر رويث البينيز (Ruiz Albéniz)، م.س.ص. 263.

[44].رسالة سيفانتوس (Civantos) إلى أزرقان 18 أيار/مايو 1921، .أ.إ.ف. المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[45]. فكتور رويث ألبينيز (Victor Ruiz Albéniz)، م.س.ص. 263-264.

[46].ن.م.س.ص. 264-266.

[47].ن.م.س.ص. 266-268.

[48].لجنة تحديد المسؤوليات، ص. 128.

[49].لويس دي أوتيثا (Luis de Oteyza)، عبد الكريم والأسري، ص. 116.

[50].ن.م.س.ص. 120.

[51].فكتور رويث البينيز (Victor Ruiz Albéniz)، م.س.ص. 166-167.

[52].لجنة تحديد المسؤوليات، ص. 144.

[53].ن.م.س 268.

[54].جرمان عياش، سبق ذكره، م.س.ص. 321-322.

[55].أ.إ.ف.، المغرب، أوراق عبد الكريم، مج. 518.

[56].لجنة تحديد المسؤوليات، ص. 237.

[57]. إدوادرو بيريز أورتيث (Eduardo Pérez Ortiz)، من أنوال إلى جبل أعروي وثمانية عشر شهراً من الأسر. مذكرات شاهد على العصر، ص. 159.

[58].أرشيف عصبة الأمم (جنيف)، الوثيقة رقم 15652، ملف رقم 12861.

[59].أ.إ.ف. المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[60].بيير فونتين، عبد الكريم وجذور الثورة في شمال إفريقيا، ص 60، أكد فونتين بأن حدو بن حمو كان يشتغل لحساب الجهاز السري (قسم الاستخبارات).

[61].حول هذا الموضوع أنظر ماريا روسا دي مادارياغا (María Rosa de Madariaga) إسبانيا والريف، مذكرات تاريخ منسي، ص. 182-183.

[62]أ.إ.لإ.، المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[63].حول سفر هذا الوفد إلى لندن أنظر روسا دي مادارياغا (María Rosa de Madariaga)، م.س.ص. 532-533.

[64].أرشيف عصبة الأمم، جنيف، الوثيقة رقم 23217، ملف رقم 12861.

[65].أ.إ.ف. المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 517.

[66].لجنة الشؤون الحربية، 371/9474 وأرشيف عصبة الأمم، الوثيقة رقم 30635، ملف 12861.

[67].شهادة شفوية استقيناها في طنجة من مقاتل قديم مع الريسوني ولاحقاً مع عبد الكريم، من قبيلة بين إيدر (جبالة).

[68]أرشيف عصبة الأمم، الوثيقة رقم 41612، الملف رقم 12861.

[69].ن.م.س.

[70].أرشيف وزارة الخارجية البريطانية، 371/11081.

[71].شهادة شفوية استقيناها من الريف من السيد الورياشي، بعزيب تلوت الرمان، قبيلة بني سيدال (قلعية).

[72].ن.م.س.

[73].أ.إ.ف. المغرب، وثائق عبد الكريم، مج. 518.

[74].ن.م.س. مج. 540.

[75].بالإضافات إلى مرافعات وتدخلات كثيرة أمام البرلمان بعث دوريوت (Doriot) إلى عبد الكريم تلغرافاً تضامنياً، الأمر الذي ضايق فرنسا ونعتته “بالخائن”. قد يناسبه هذا النعت لاحقاً سنة 1936 حينما انخرط في اليمين المتطرف وأسس الحزب الشعبي الفرنسي، ذي إيديولوجية فاشية وتعاون مع النازيين.

[76. حول “الجريرو” انظر توماس غريسا فيغيراس (Tomás García Figueras)، أحد أبطال جبالة، أحمد بن محمد الخزماري، أ.الجريرو، في ندوة المشاركين، 1951-1952، ص. 75-118.

[77]أ.إ.ف. وثائق عبد الكريم، مج. 519.

[78].اعتراف سقنام من طنجة، أنظر الإحالة 6 في هذا الفصل.

[79].ن.م.س.

[80].دورية اللجنة الإفريقية-الفرنسية، تشرين الأول/أكتوبر 1927، ص. 404-405.

[81].حول شبكة جهاز المراقبين العسكريين التي أرساها كاباز (Capaz)، أنظر روسا دي مادارياغا (María Rosa de Madariaga)، مغاربة في خدمة فرانكو…، ص. 158-160.