الرئيسية » دراسات وكتابات نظرية » هل تجب المشاركة في الانتخابات؟

هل تجب المشاركة في الانتخابات؟

دانيال بنسعيد

مقابلة مع دانيال بنسعيد [يوليو/تموز 2005]

تعتبر “المنظمة السياسية” عدم المشاركة في الانتخابات مسألة مبدئية. أنت لا تشاطر هذا الرأي، وكذلك المنظمة التي تنتمي إليها، العصبة الشيوعية الثورية، هل تعتبر هذا الخلاف مهما أم ثانويا؟

ليس الخلاف قائما حول المشاركة في الانتخابات أو عدمها بقدر ما هو حول اعتبار الأمر مسألة مبدئية بدل النظر إليها كمسألة ملموسة، مسألة لحظة سياسية ( مسألةُ ظرفيةٍ ) وموازين قوى. طبعا ليس الاستشهاد بلينين في هذا المضمار حجة. لكني اقتصر على الكيفية، التكتيكية وليس المبدئية، التي يتناول بها المشاركة في الانتخابات إلى مجلس الدوما: دعا إلى المقاطعة في 1905، والى المشاركة في 1906 و 1907 ( وفيما بينهما لم تتغير الطبيعة الرجعية للبرلمان القيصري، بل تبدل الوضع على الجبهة الطبقية)، وأيد دعوة جمعية تأسيسية في فبراير/شباط 1917، ودعا إلى حلها في ديسمبر/كانون الأول. إن ما في الرهان في هذه البرغماتية ليس مسألة مبدئية بقدر ما هو تصور للعمل السياسي ذاته وللإستراتيجية بما هي فن الزمن المكسر وتنافر الأزمنة.

يلح لينين في سجاله مع الشيوعيين اليساريين الألمان على أن الأشكال البرلمانية ولى عهدها بلا شك “من الناحية التاريخية” . لكن الأمر غير ذلك “من الناحية السياسية”:” ما دمتم عاجزين عن حل البرلمان البرجوازي وسائر أنواع المؤسسات الرجعية، أيا كانت، فلا بد لكم أن تعملوا في داخلها، بالضبط لأنه لا يزال هناك عمال ممن خدعهم القسس وتبلدوا في بيئة الأرياف النائية، وإلا فقد تصبحون مجرد مهذارين”. طبعا يجب مراعاة السياق التاريخي غداة الحرب العالمية. إن هذا الاستدلال، الذي ينطبق على النضال في النقابات كذلك، وحتى على حزب العمال في بريطانيا، يحيل إلى مسائل منهجية عامة، والى تصور للعمل السياسي مندرج في المدة، في تقدم الصراع الطبقي وتراجعاته، غير قابل للاختزال في لحظات ذروة الأزمة السياسية. هذا لا سيما أن مباغتة هذه الأزمة و كيفياتها غير قابلين للتوقع. لذا ” يجب على الطبقة الثورية أن تحسن استعمال كل أشكال النشاط الاجتماعي وجوانبه”. يعطي لينين مثالا بقضية درايفوس[*] بما هي كاشف لأزمة إجمالية في العلاقات الاجتماعية كادت تشعل حرب أهلية.

ليست السياسة العملية قابلة للاختزال في مبادئ دون توسطات. إن إستراتيجية بلا تكتيك تظل تجريدا، والتكتيك لا يقبل الاختزال في “الشعور الثوري وحده” : يجب “رسمه ببرودة دم مع أخذ كل القوى الطبقية في دولة معينة بالحسبان”.

هل الخلاف بهذا الصدد هام أم ثانوي؟

هذا وقف على جملة أمور. إنه، من زاوية نظر ما يمكن القيام به بشكل مشترك ( تلك تجربتنا منذ سنوات عديدة مع بعض التيارات اللاسلطوية anarchistes)، خلاف ثانوي، دون أن يكون ضئيلا، قياسا على ما قد يوحدنا في النضالات الاجتماعية أو الدولية. لكن ثمة ظروفا ( سبتمبر 1971 بالشيلي، ومارس 1933 بألمانيا، وانتخابات الجبهة الشعبية في اسبانيا 1936) قد تؤدي فيها اللامبالاة أو الامتناع إلى عواقب وخيمة.

أيا كان طابعها المخادع، تمثل موازين القوى الانتخابية، بالأحرى في بلدان التقاليد البرلمانية العريقة، مكونا لعلاقات القوى وساحة، غير أساسية، للتعلم. و قد يبدو التخلي عن هذه الساحة ضامنا لنقاوة مبدئية. لكن الأمر يمثل أيضا إعادة إنتاج قسمة للعمل بين الشأن الاجتماعي والشأن السياسي، ومواصلة لإشكال التفويض (والامتهان) التمثيلي، وحصر الحركات الاجتماعية في دور جماعات ضغط تابعة قياسا على المؤسسات، أي إجمالا السقوط في “وهم اجتماعي” متماثل مع ” الوهم السياسي” الذي شهر به ماركس لدى باور. وهذا أمر يُتحقق منه بشكل دوري: الذين، واللواتي، يتعبؤون في النضالات الجذرية ويهزؤون من الأجهزة الإصلاحية ينتهون، بفعل انعدام بديل، إلى التصويت لصالحها، على مضض باسم ” أهون الشرور”، ومع أغلظ الأيمان بأنها آخر مرة: يا لها من حلقة مفرغة محبطة! ولا خروج منها بالاحتقار المترفع.

ما تبريرك للمشاركة المنتظمة في الانتخابات، بالتصويت وبتقديم مرشحين؟ هل هي العقيدة اللينينية حول استعمال دعاوي (المؤسسات منبر) أو أكثر من ذلك؟

تتعلق إحدى نقاط الخلاف بعلاقة الحدث المحددة بشروط إمكانه. هذا ما يميز الحدث السياسي عن المعجزة اللاهوتية الخالصة. تتعلم الجماهير، أو الشعب، في بضعة أيام أو بضع ساعات من الأزمة الثورية أكثر من سنوات من الرتابة البرلمانية والنقابية، إنها تتحول في معمعان التجربة. لكن الأمر مع ذلك لا يكفي، رغم ما يقول النشيد، لتحويل لا شيء إلى كل شيء. لا يجري الانتقال من العدم النقابي والانتخابي إلى الهيمنة بفعل سحر الحدث وحده. لا تُتخذ القرارات الحاسمة دون اندفاع، ودون العمل بأناة لـ”إقناع المتأخرين بدل الانفصال عنهم”، ذلك كامل معنى الانعطاف المسمى” الجبهة الموحدة” خلال مؤتمر الأممية الشيوعية الثالث، ردا على المغامرة الكارثية للعمل الانقلابي في مارس 1921 بألمانيا.

ليس المشكل في التنديد بالأوهام البرلمانية، بل في إيجاد أفضل سبيل لتبديدها الفعلي. قد يساهم القتال في ساحة الانتخابات المفخخة في ذلك على نحو أفضل مما بوسع الامتناع. لا تكفي تقلبات الأحداث السياسية لمراكمة القوى والثقة الذين لا غنى عنهما.

هل نعتبر المشاركة في لعبة التمثيل الانتخابي مجرد منبر؟ علاوة على دور المنبر يتعلق الأمر، ولو بشكل أولي، بمد خيط موجه على الدوام، وربط صلة مرئية بين الخطاب والنضالات. و ثمة طبعا خطر الاحتواء والامتصاص المؤسسي. ولا يقل هذا الخطر بشأن النقابات أو المنظمات ” غير الحكومية”، المعرضة كذلك لظواهر التبقرط. لكن ماذا سيبقى من سياسة بلا نقابات، وبلا أحزاب، وبلا منتخبين، إن لم يكن شهادة أخلاقية؟

تمثل المشاركة الانتخابية، في البلدان حيث تشكل المؤسسات البرلمانية منذ أكثر من قرن قسما من التوسطات والمعاصم التي تؤبد سيطرة الطبقات السائدة، أكثر قليلا من استعمال متنور لمنبر. لا يكفي التشهير البسيط لتعرية خدع النظام و تأثيراته. إن الابتعاد المبدئي عن المؤسسات يقي من المخاطر المهنية للسلطة، لكنه لا يتيح زحزحة الخطوط. وفي آخر المطاف يساهم التخلي عن المنازعة في كل ساحات الصراع الطبقي، بما فيها الأكثر تلويثا، في إعادة إنتاج منطق أهون الشرور المميت: ” لا بد من التصويت”، التصويت لصالح اليسار المجحود، ” ليس ثمة خيار”، يجب تفادي سياسة الأسوأ،الخ. انه منطق العودة الأبدية للإصلاحية التسييرية.

ما الحجج التي بإمكانك تقديمها للدعوة إلى التصويت، لا فقط للمرشحين الذين يمثلون سياستك، بل حتى لمرشحين بعيدين جدا، وحتى لأناس اعتبرتهم منذ أمد طويل خصوما مثل شيراك؟

إن ليس الامتناع عن المشاركة الانتخابية مسألة مبدئية، فذلك شأن المشاركة، و تعليمات التصويت أيضا. دعونا في 1981 إلى التصويت لصالح ميتران في الدور الثاني لإزاحة جيسكار وإنهاء ربع قرن من انفراد اليمين بالسلطة. وفي البرازيل دعمنا في العام 2002 لولا، رغم الالتزامات الواردة في “رسالة إلى البرازيليين” بصفته أول ترشيح نابع من النضالات العمالية والشعبية ضد الديكتاتورية. لكن في العام 2002 لم نكن لنصوت لصالح جوسبان لو تمثل في الدور الثاني.

أي تعريف تعطي اليوم لـ “اليسار” قد يبرر الانتساب إلى هكذا معسكر، بما في ذلك انتخابيا؟

كان دولوز يؤكد أن ما يميز اليسار عن اليمين هو أن اليسار “محتاج إلى أن يفكر الناس”، وان دوره هو ” اكتشاف نمط مشاكل يسعى اليمين بأي ثمن إلى إخفائه” . إن كان الأمر هكذا وجب استنتاج أن اليسار ” القائم فعلا” يساري أقل فاقل.

أنا حذر من الفكر التصنيفي والتعريفات الشكلية. إن مفهوم اليسار مفهوم مكاني ( أصله برلماني) ونسبي. انه يتحدد بالنسبة ليمين. هكذا يوجد فابيوس على يمين بايرو (ليس دائما)، وايمانويلي على يسار ستراوس كان، كما توجد مجلة نوفيل ابسرفاتور على يسار مجلة لوبوان، او جريدة لوموند على يسار جريدة الفيغارو. تجنح هذه الفروق الى الذوبان في وسط-يمين واسع، ووسط- يسار يدنو ، باسم”الطريق الثالث” أو “الوسط الجديد”، من يمين الوسط. هذا لأسباب سوسيولوجية وكذا برنامجية.

لكن مع ذلك ثمة فروق، متبقية ربما، مرتبطة بالتقاليد، وبالتاريخ، وبروابط مختلفة مع الناخبين من الشعب ومع بعض المنظمات ( تعاضديات ، الخ). تظل التناقضات بين ارث الاشتراكية الديمقراطية وتوجهها الليبرالي أكثر حيوية في فرنسا مما في ألمانيا أو بريطانيا. ليس هذا بفعل قادتها، بل بحسب موازين القوى الاجتماعية الأقل تدهورا التي يتعين عليهم أخذها بالحسبان بفعل نزعتهم الانتخابية.

قد تتمثل مقاربة أخرى في تعريف اليسار، لا بمشروع أو برنامج( فهذا يصبح أصعب فأصعب)، بل بجملة “قيم”. هكذا كان نوربرتو بوبيو يعرف اليسار بالوفاء لمبدأ المساواة. يمثل هذا، بوجه البلاغة حول الإنصاف على طريقة مينك، أقل الأمور. لكن رطانة القيم هذه، الطيارة بقدر تبخرية قيم البورصة، حجاب بؤس للفراغ السياسي ولا تحل شيئا.

بشكل أعم، إذا كانت الديمقراطية، كما يقول لينين، “شكل دولة”، هل تعتبر الديمقراطية التمثيلية شكل دولة “حديثة” لا يمكن إلا نكون أوفياء لها، إذا أدخلنا عليها تكييفات؟ أم انك ما زلت ترى معنى في التعارضات المحسومة بين “ديمقراطية شكلية” و”ديمقراطية فعلية”، وحتى ” ديمقراطية برجوازية” و”ديمقراطية بروليتارية”.

يجب تناول مسألة الديمقراطية من زاوية نظر تغيراتها التاريخية، لكن المقام هنا لا يسمح. الديمقراطية” شكل دولة” ؟ إنه إذن شكل خاضع لعلاقات طبقية محددة تاريخيا. لا يبرر استقلال السياسة (النسبي كما يقال سابقا) ديمقراطية بلا جمل، شبحية، مفصولة عن العلاقات الطبقية. لكنني متحفظ، أكثر فأكثر، إزاء استدلال يختزل المسائل السياسية، بمبرر العودة إلى المضامين الطبقية، في جوهر سوسيولوجي. [ تقاتلنا أكثر من اللزوم في التيار الذي انتمي إليه حول مفاهيم الأحزاب أو الدول العمالية، باحثين في “طبيعة” اجتماعية عميقة عن الأسباب النهائية لظواهر سياسية. ذلك ما كان يفضي إلى جعل التصويت لـصالح “الأحزاب العمالية” مسألة مبدئية ” رغم خيانات قياداتها”، أو الدفاع بلا شرط عن الاتحاد السوفيتي بما هو “دولة عمالية منحطة بيروقراطيا” رغم الإرهاب البيروقراطي! ]

ديمقراطية شكلية؟

نعم بمعنى ما. لقد فتحت صيغ المسألة اليهودية [المقصود مؤلف ماركس] بهذا الصدد باب محاكمات زائفة. إن للشكل أهميته، وحدوده. ليس الشكلي لا حقيقيا وليس الحقيقي لا شكليا.

حالما تنزل السيادة من التعالي السماوي لتصبح ماثلة ودنيوية، يغدو مشكل التمثيلية حاسما. وبعيدا عن حل المشكل كان التعارض بين الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية المباشرة مصدر الكثير من سوء الفهم. في هذا التعارض يستهدف نقد التمثيل في الواقع التفويض ومصادرة السيادة وامتهانها. أما الديمقراطية المباشرة دون ” تمثيل” فقلما يمكن تصورها سوى في القرية أو الحي أو المقاولة، وحتى هذه ! لم يكن الأمر لدى لينين متعلقا أبدا بالتفويض الإلزامي، بل بالرقابة وقابلية عزل المفوضين من قبل من انتدبهم.

لا ديمقراطية إذن دون توسطات، وإلا ذاب القصد المشرك في ضرب من الديمقراطية الحرفوية. كان لينين، في سجاله ضد المعارضة العمالية في العام 1921، متماسكا قياسا على نقده في “ما العمل؟” ضد الاقتصادية او التريديونيونية. ليست السياسة مطلبا اقتصاديا خاصا، بل العلاقة المتبادلة لكل طبقات المجتمع. لذا ليست فقط اقتصادا ( او شأنا اجتماعيا) مركزا. ان لها لغتها الخاصة، وتحركاتها وتكاثفاتها، وبالتالي نوعا من التمثيل تطرح أشكاله مشكلا.

ان جعل الديمقراطية تجريدا (صنما) في استرفاع فوق الطبقات يندرج في خداع المنطق الرأسمالي، المرتبط بخداع العقد المتساوي، والاقتراع المنصف الخ. ثمة في ساحة هذه الديمقراطية البرجوازية معارك يتعين خوضها، لكن يبقى الخيط الموجه في مجال المؤسسات هو أسبقية بنيات التنظيم الذاتي والتسيير الذاتي على المؤسسات القائمة على التفويض.

جلي أن هذه المسألة مرتبطة بمسألة ديكتاتورية البروليتاريا واضمحلال الدولة. إن مفهوم الديكتاتورية، الذي كان واضحا تقريبا في الحركة الثورية للقرن 19، قد أثقل في القرن العشرين بحمولة تجعله غير صالح للاستعمال دون ترف تدقيقات وشروح. لكن جوهر المشكل يظل قائما: ما من ثورة، وما من تغيير للعلاقات الاجتماعية، دون عبور من حالة استثناء وتعليق النظام القانوني القائم، ودون المس بالعلاقة بين الحق والقوة. لذا لا يعني مفهوم ديكتاتورية البروليتاريا لدى ماركس صيغة مؤسسية أو شكلا. إنه في المقام الأول مفهوم استراتيجي ستكون كومونة باريس “شكله الذي عثر عليه أخيرا”. إنها إذن قطع. ولا يعني الأمر،خلافا لما يقول النشيد، صفحة بيضاء. ومن ثمة يطرح موضوع اضمحلال الدولة أو انقضاءها بما هي جسم مفصول، في تعارض مع الصيغة اللاسلطوية حول إلغائها بكل بساطة. المقصود بنظر ماركس خلق الشروط العملية والمادية لهذا ” الاضمحلال”. إن تحطيم جهاز الدولة القديم فعل (ثوري)، وجمعنة السلطة سيرورة.

لماذا قد تشكل المشاركة الانتخابية مسألة مبدئية؟

لا يعني ذلك اختزال السياسة في لحظة حدث، لا مشروطة، واعتبار اليومي العادي قوسين بين لحظتين حرجتين؟ توسيع مجال السياسة ابعد من الدائرة الدولانية، والاستعداد لمفاجأة الحدث ليس إنكارا للجزء المؤسسي من النضال وأهميته الشكلية.

عندما يكون لديكم منتخبون، كيف ترون دورهم في المؤسسات؟

وما عقيدتكم بصدد علاقة المنتخبين بالحزب ( العصبة الشيوعية الثورية في هذه الحالة)؟ وبافتراض حصولكم، بمفردكم أو بتحالف، على الأغلبية في مجلس ما ( أيا كانت مرتبته، بلدية، هيئة إقليمية ،الخ) ما ذا سيكون تصوركم لهذا الولوج إلى تسيير الدولة ؟

لنعترف أولا على نحو رياضي أننا كنا على جادة الفضيلة بقدر ما قل تعرضنا للإغراء. يتكفل القانون الانتخابي بالسهر على نقاوتنا.

ما دور المنتخبين على ضوء تجربتنا المحدودة ؟

دور رقابة طبعا، و دور تحريض. لكنه أيضا دور بيداغوجي. ثمة أمور أخرى ابسط، حول الصفقات العمومية، حول مجالس إدارة الثانويات، حيث يمكن خوض معارك ملموسة وعمومية.

ومن جهة أخرى، نحن حريصون على إعطاء صورة غير مهنية عن المنتخب بتنظيم منهجي لكشوف حساب عن التفويضات، وبالسهر على ألا يتعدى أجر (النواب الأوربيين) أجر عامل مؤهل، وبتفادي الامتهان قدر الإمكان: يحافظ المنتخبون، عندما يسمح وضعهم، على عملهم المأجور نصف الوقت. هكذا كان رفاقنا المنتخبون الإقليميون في ربيع 2003 المستشارين الوحيدين المضربين المعرضين، مثل زملائهم، للاقتطاع من الأجر. ليس هذا ثورة لكنه إسهام بسيط في فهم آخر للسياسة.

كان رفاقنا ، خلال أكثر من 12 سنة، بتحالف مع تيارات أخرى بحزب العمال، أغلبية ببلدية بورتو اليغري. الحصيلة لا يستهان بها، سواء على صعيد داخلي ( تجربة الميزانية بالمشاركة) أو دولي ( بورتو اليغري عاصمة رمزية لمقاومات الإصلاح الليبرالي المضاد). لكن يجب معرفة مضمون الميزانية بالمشاركة تلك التي جرى احتواؤها اليوم كموضة من قبل الخطباء المسيرين باليمين واليسار. كان القصد في البداية إرساء شرعية مزدوجة بين مجلس بلدي منتخب بالاقتراع العام(زهاء مليون ناخب) ومجلس الميزانية بالمشاركة، الذي يمثل زهاء 50 ألف مواطن منظمين في لجان أحياء. كان البلدية “الشرعية” تقترح واللجان تناقش وتعدل.

كان المجلس البلدي، بوجه عام، يصادق على الاقتراح الصادر عن الديمقراطية المباشرة للمجالس. لم يكن ذلك ثورة بقدر ما أن هامش الاختيار، بعد دفع أجور مستخدمي البلدية، والديون، الخ، يقتصر على أسبقيات الخدمات الاجتماعية و 5 بالمائة فقط من الميزانية. إن للتجربة قيمة بيداغوجية بقدر ما أنها تتيح تعبئات ملموسة تصطدم بسياسات الحكومات الفيدرالية. تغيرت هذه الفضيلة بقدوم حكومة لولا. وبدل أن تظهر الميزانية بالمشاركة بديلا للسياسات الفيدرالية اليمينية، تظهر كمواصلة للتوجهات الحكومية حول إصلاح أنظمة التقاعد، وأجور الموظفين، الخ. إنها أحد أسباب فقد البلدية في انتخابات نوفمبر 2004.

إن هذه الممارسة (المحدودة) للعلاقات بين المنتخبين والحزب لا تشكل ” عقيدة”. إنها تلتزم ببعض التوجهات الكبرى: المنتخب ناطق باسم الحركات الاجتماعية، ومكمل لها في المؤسسات، وليس حزام وصل الدولة بتلك الحركات. وإذا بقي خاضعا لانضباط حزبي (انضباط يتبدل شكله ومداه)، فليس وفاء لبلشفية عصر بائد كما يعتقد المشنعون، بل لأنه الثقل الجماعي الوحيد لموازنة القوى الجبارة للشخصنة الإعلامي والاحتواء المؤسسي.

أخيرا، كيف نتصور”تسيير الدولة ” في حال حصولنا، بمفردنا او بتحالف، على أغلبية في مجلس ما؟

إنها فرضية نجد صعوبة جمة في تخيلها. إن الآثار الخادعة للمواطنة الشكلية، والحلقة المفرغة للصنمية والتشيء، وسطوة الايدولوجيا السائدة، تجعل ارتقاء تدريجيا للوعي على صعيد الانتخابي مستبعدا. إن تغيير العالم يمر عبر قلب جذري للعلاقات الاجتماعية ولا سيما علاقات الملكية، الأمر المتعذر تصوره دون أزمة ثورية تتغير خلالها الجماهير وتتعلم في بضعة أيام أكثر مما في سنوات من الرتابة البرلمانية. أما آلة الدولة فالمقصود دوما تحطيمها، وليس تسييرها كما هي، و نزع الطابع الدولاني عن السياسة، والسير على طريق اضمحلال الدولة وتجريب أشكال مؤسسية لهذا الاضمحلال.

ظهر الاستجواب بعنوان مغاير بالعدد الأول من مجلة “« La Distance politique العدد 1 ، يوليو/تموز 2005.

تعريب جريدة المناضل-ة، 2007 / 7 / 14

===

[+] قضية درايفوس: ضابط بهيئة أركان الجيش الفرنسي، يهودي، أُتهم زورا بالتجسس و الخيانة العظمى، وحكمت عليه المحكمة العسكرية في العام 1894 بالسجن مدى الحياة . كانت محاكمته محبوكة من طرف الأوساط الرجعية الفرنسية. كشفت حركة الرأي العام المناصرة لدرايفوس ارتشاء المحكمة وفاقمت صراع الجمهوريين السياسي ضد الملكيين. في 1899 صدر العفو على درايفوس وأفرج عنه . لكن لم يعد إليه الاعتبار سوى في العام 1906 بعد مراجعة جديدة لقضيته. [م]

المناضل-ة عدد 15