الرئيسية » دراسات وكتابات نظرية » الفصل الثامن: جنوب أفريقيا عقب إلغاء الفصل العنصري… الصندوق والمؤتمر الوطني الأفريقي يتكاتفان ضد الشعب

الفصل الثامن: جنوب أفريقيا عقب إلغاء الفصل العنصري… الصندوق والمؤتمر الوطني الأفريقي يتكاتفان ضد الشعب

ترجم في أبريل 2016، كتاب قيم لأستاذ الفلسفة بالجامعة بريتوريا أرنست فولف، من طرف الدكتور عدنان عباس علي، يتناول بالتفصيل، وبأسلوب سلس، أدوار صندوق النقد الدولي، وعواقب سياسته على بلدان الجنوب، وعنون هذا المؤلف ب” صندوق النقد الدولي قوة عظمى في الساحة العالمية” نشر ضمن سلسلة عالم المعرفة العدد 435. ونظرا لقيمة هذا الكتاب، وبغية منا لتعميم الفائدة، اعتزم الطلبة الثوريون أنصار تيار المناضل-ة، على نشر مقدمة هذا الكتاب وبعض فصوله.

***************************************************

«كان نيلسون مانديلا قائدا شجاعا وصاحب رُؤى… فالتقدير غير المعتاد، الذي حظي به على مستوى العالم أجمع،برهان أكيد على ما بذل من جهود لجعل جنوب افريقيا والعالم مُقاما أفضل».

 

إن هذه الكلمات، التي جاءت في سياق حفل تأبين نيلسون مانديلا، في 13 ديسمبر 2013، لم يتفوه بها واحد من رفاقه في الكفاح، بل جاءت على لسان رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد. ولا غرو أن بعض المستمعين قد استغربوا أيما استغراب. أما كان نظام التمييز والفصل العنصري أحد الأعضاء  المؤسسين في صندوق النقد الدولي؟ أما حكم هذا النظام العنصري على مانديلا بالسجن مدى الحياة لأنه كان أحد ألد خصومه؟

يعكس كلا المسؤولين استغرابا صادقا بكل تأكيد. فكلا الأمرين، أعني اتخاذ الصندوق موقفا مؤيدا للنظام العنصري، واعتقال مانديلا عشرات السنين، بصفة سجين سياسي، حقيقتان من حقائق التاريخ بلا أدنى شك. بيد أن ثمة حقيقة تربط بين الأمرين، حقيقة تفسر لنا أسباب النبرة الحماسية، التي تخللت كلمات كريستين لاغارد، حقيقة، تكتمت عليها وسائل الإعلام الرسمية حتى اليوم الراهن لسبب يسير الفهم: فهي، من ناحية، تحط من قدر رمز من رموز البطولة في عصرنا الحاضر، ومن ناحية ثانية، تزيح الستار عن الدوافع الحقيقية، التي تقف خلف التبجيل الذي يكنه لمانديلا رموز سياسية وقيادات اقتصادية محافظة إلى أبعد الحدود، أعني من قبيل كريستين لاغارد. علاوة على هذا وذلك، تقدم لنا هذه الحقيقة، سبب فشل جنوب أفريقيا في تحقيق المجتمع العادل، وعدم تنفيذها تحولا اجتماعيا جذريا، على الرغم من مرور خمسة وعشرين عاما على إلغاء الفصل العنصري. وللإجابة عن هذه المسائل، لا مندوحة للقارئ من أن يلقي نظرة خاطفة على تاريخ الحقبة التي نحن في صدد الحديث عنها:

إن النظام العنصري، مكن، منذ مطلع القرن العشرين، ثلة من الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا، من أن تستحوذ على ثروات هائلة وتعيش حياة السادة، الذين تسلطوا على رقاب الشعوب في عصور الاستعمار المختلفة، وحكمت على الأكثرية السوداء من أبناء الشعب، أن تعيش عيشة عبودية توائم العصر الحديث. وحينما أحرزت البلاد، في الستينات، ازدهار اقتصاديا عظيما، تمتعت بثمار هذا الازدهار، الأقلية البيضاء فقط، الأقلية المهيمنة، بمفردها، على مفاصل الدولة. وهكذا، لا غرو أن يؤدي التفاوت الاجتماعي المتزايد تفاقما، إلى اندلاع أول احتجاجات تنظمها الأكثرية السوداء. وكان النجاح، الذي حققته حركات التحرير في بقية أنحاء القارة الأفريقية، وبزوغ نجم «حركة القوة السوداء» في الولايات المتحدة الأمريكية  (Mouvement Black Power) من جملة العوامل، التي شجعت الأكثرية السوداء على مقاومة ما تتعرض له من اضطهاد واستغلال.

وفي السبعينات ازدادت الثورات والصراعات الدامية انتشارا. وبانت وحشية النظام العنصري، بكل وضوح، في حالات عديدة، كان من بينها، تدخل قوات الشرطة، في العام 1976، ضد تلاميذ وطلبة تظاهروا في حي الفقراء في مدينة سويتو القريبة من جوهانسبرغ. فقد استعمل عناصر الشرطة السلاح في شوارع الحي وقتلوا مئات الشبان والصبيان، وعذبوا، في سياق «عمليات التحقيق التالية من المحرضين» الكثير من المحتجين.

بيد أن الغضب، الذي اجتاح العالم، من وحشية هذه المجزرة، لم يمنع صندوق النقد الدولي، من مد المساعدة لحكومة جنوب أفريقيا ومنحها، في العامين التاليين، قروضا بلغت قيمتها أكثر من ملياري دولار أمريكي. بيد أن الأمر الأكيد هو أن الأموال والقروض، التي منحها البنك الدولي، بنحو منتظم، لم تفلح في إعاقة تصاعد المقاومة المواجهة ضد النظام المكروه، والتي كان خطرها على سلطاته يتعمق من يوم إلى آخر.

ومن أجل الحفاظ على مصالحها، وعلى استمرار تبعية جنوب أفريقيا لإرادتها، حتى في حالة انتقال السلطة إلى قيادة جديدة، عزمت الولايات المتحدة، في العام 1983، على تنفيذ تحول جذري. فبحجة أنها ستسعى، من الآن فصاعدا، إلى تأييد المساواة بين الأجناس المختلفة، علقت الإدارة الأمريكية تحويل بقية الأقساط المالية إلى حكومة بريتوريا. ومضت، في ذات الوقت، ومن خلف الكواليس، تنفذ تكتيكا جديدا، غايته الضغط على حكومة جنوب [أفريقيا العنصرية]، لبدء مباحثات سرية مع الأطراف المتوقع لها أن تقود الدولة مستقبلا.

وكانت الاحتمالات السائدة وقتذاك، تشير إلى أن قيادة الدولة تؤول إلى ممثلي اتحاد النقابات العمالية (Confederation of South African Trade Unions) وإلى المؤتمر الوطني الأفريقي، الذي يترأسه مانديلا، المناضل الذي كان محظورا عليه العمل بين العامين 1960 و1990؛ جرى اعتقاله في العام 1961، وحُكم عليه بالسجن المؤبد في العام 1964. وقضى أكثر سنوات اعتقاله [27 عاما] في سجن يقع [في جزيرة] روبن آيلاند. وتمتع هذا السجن بشهرة عالمية بعد أن عاش فيه مانديلا سنوات كثيرة.

وللحيلولة دون خسارة هيمنتها على مقدرات البلاد، نظمت حكومة جنوب أفريقيا، ابتداء من العام 1985، سلسلة لقاءات سرية مع أطراف معنية بالأمر. ففي زامبيا تداولت مجموعة صناعيين من جنوب افريقيا –يتزعمها غافين رايلي (Gaven Reilly)، رئيس الشركة المسماة Anglo-American Mining-Company الآراء مع بعض أعضاء المؤتمر الوطني الأفريقي، المقيمين في المنفى. وفي بريطانيا، التقى تابو إيمبيكي Thabo Mbeki- الزعيم الثاني بعد مانديلا في قيادة المؤتمر الوطني الأفريقي- مع صناعيين قياديين، في فيلا تعود ملكيتها إلى الشركة العملاقة المسماة Consolidated Goldfields، والتي استغلت عمال مناجم الذهب، استغلال بشعا، خلال المائة عام المنصرمة.

إلا أن أهم هذه اللقاءات، كانت قد تمت في أحد الأحياء الواقعة في أطراف مدينة كيب تاون. ففي سجن بولسمور [الواقع في أطراف كيب تاون] جرت محادثات، سرية، بين مدير جهاز الاستخبارات نيل بارنارد (Neil Barnard) ورئيس الدولة بيتر بوتا (Peter Botha) من ناحية ونيلسون مانديلا من ناحية ثانية. وفي سياق هذا اللقاء، عرض بوتا، رئيس الدولة الملقب بـ«التمساح» بسبب موقفه المتشنج في المسائل العرقية، على مانديلا اتفاقا فحواه أن: يلتزم مانديلا بإقناع المؤتمر الوطني الأفريقي، بالتخلي عن استخدام العنف ضد النظام القديم، وبالاستغناء عما ورد في ميثاق الحرية المعلن من قبل المؤتمر الوطني الأفريقي من إشارات تطالب بتوجيه الاقتصاد من قبل الدولة، والتأميم الجزئي للمشاريع الاحتكارية، والمصارف والثروات الطبيعية، وأن يتعهد، علاوة على ما جرى ذكره، بالاعتراف بشرعية الديون الأجنبية الموجودة بذمة نظام الفصل العنصري، وفي المقابل تلتزم حكومة جنوب أفريقيا، بإلغاء الحظر المفروض على حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وإلغاء الحكم الصادر بحق مانديلا وإطلاق سراحه بنحو نهائي (1).

وعلى الرغم من ان حزب المؤتمر قد سجل، وقتذاك، انضمام جماهير غفيرة إلى صفوف، وأن النظام العنصري، بات يفقد دعائمه من يوم إلى آخر، وأن سقوطه النهائي قد أمسى مسألة وقت لا غير، وافق مانديلا ورفقاه القياديون، على العرض، من غير علم جمهور القواعد والأنصار، وهكذا وفي الثاني من شباط/فبراير العام 1990، وأطلق دي كليرك -خليفة بوتا في الحكم- سراح مانديلا.

ومن حقائق الأمور، أن التطور الاجتماعي، الذي خيم على جنوب أفريقيا، في نهاية الثمانينيات، كان يشير إلى أن البلاد على وشك التعرض لانقلاب ثوري يقتلع النظام العنصري من جذوره. فعدد متزايد من المواطنين، كان يطالب بطرد الفئة البيضاء الغنية، وبتحقيق توزيع عادل للأراضي الزراعية، لصالح فقراء الفلاحين، وبضرورة تأميم المصارف المكروهة، والشركات العملاقة المنبوذة، والملاحقة القانونية للجرائم التي اقترفها النظام العنصري. وإذا لم يجر تنفيذ أي تنفيذ أي هدف من الأهداف المذكورة، فما ذلك، إلا –في المقام الأول- بسبب تعاون مانديلا ورفاقه في الكفاح من الأعضاء القياديين في حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، مع الحكومة، التي كانت تصرف شؤون جنوب أفريقيا آنذاك، والقيادات الصناعة، التي كانت تهيمن على اقتصاد البلاد وقتذاك.

وخلافا لما أُعلن رسميا، فإن دور مانديلا التاريخي، مان يكمن في إلغاء الفصل العنصري. فهذا الفصل كان، في العام 1990 أصلا قاب قوسين من بلوغ نهايته المحتومة، اي أنه كان سيبلغ نهايته بلا تدخل من مانديلا. إن دور مانديلا التاريخي، كان يكمن في الحيلولة دون نزع ملكية الفئات المتربعة في أعلى السلم الاجتماعي، ومن دون طرد المستثمرين الأجانب. وبهذا المعنى، فإن مانديلا قد وضع مصالح الأغلبية السوداء من سكان البلاد في منزلة، هي دون منزلة مصالح الطغمة الحاكمة وحليفها الرأسمال الدولي. وهذا هو على وجه التحديد، الأمر، الذي يفسر، سبب التقدير العظيم، الذي لاتزال تكنه لمانديلا وسائل الإعلام والقيادات الاقتصادية المحافظة، والدوائر السياسية المختلفة، والمديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي.

وحصل مانديلا على ما يستحق من مكافأة جزاء ما اتخذ من موقف، فقذ شنت وسائل الإعلام الدولية حملة دعائية، جعلت من مانديلا قائدا يرتقي إلى مصاف الآلهة، أو وعلى أدنى تقدير، جعلت منه نظيرا لإبراهيم لينكولن وجورج واشنطن ومارتين لوثر كينغ. أضف إلى هذا أنه مُنح (مناصفة مع العنصري دي كليرك) جائزة نوبل للسلام في العام 1993. ومن ناحية، أراد مانديلا الإعراب عن شكره ثانية قبل انتخابات العام 1994، فراح هو والقادة الآخرون في المؤتمر الوطني الأفريقي، يصادق على وثيقة سرية يتعهد فيها مانديلا وصحبه لصندوق النقد الدولي، بأنهم، وفي حالة فوزهم بتبوؤ مقاليد الحكم في جنوب أفريقيا، يضمنون تنفيذ مبادئ اقتصاد السوق، وإجراء خفض كبير للإنفاق الحكومي، ورفع معادلات الفائدة إلى مستويات أعلى، وتأمين حرية الرأسمال الدولي على الانتقال بين جميع المجالات المتاحة في اقتصاد جنوب أفريقيا.

وفي وقت مبكر، في «المرحلة الانتقالية» بين العامين 1990 و1994، قدم مانديلا ورفاقه في الكفاح، إلى النظام السابق وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي، برهانا يشير إلى أنهم يستحقون الثقة. ففي بادئ الأمر أطلقوا على «قسم التخطيط الاقتصادي» التابع لحزب المؤتمر اسم «قسم السياسة الاقتصادية». وكلفوا برئاسته أستاذا للعلوم الاقتصادية يتسم بالاعتدال. وتوصلوا، من ثم، إلى اتفاق أبرمه حزب المؤتمر مع النقابات العمالية والحكومة، يقضي بتقسيم العمل بين هذه الأطراف بنحو تجليه الوقائع التالية: عندما أعلنت الحكومة في أيلول/سبتمبر في العام 1991 –انسجاما مع تطلعات صندوق النقد- أنها عازمة على استحداث ضريبة القيمة المضافة بمعدل يبلغ 10 في المائة، وحينما اندلعت موجة استنكار في صفوف المواطنين السود، تظاهر حزب المؤتمر واتحاد النقابات العمالية بتأييد عمليات الاحتجاج، التي شارك فيها 3.5 مليون مواطن من السكان السود، وراحوا يقودون الاحتجاجات، وينظمون إضراب عاما لمدة يومين، وذلك بغية التنفيس عن الضغط المتراكم. وبعد انتظار دام بضعة أسابيع، لم يحركوا خلاله ساكنا، صوتوا لمصلحة الضريبة الجديدة.

بيد أن هذه الواقعة لم تكن الخدعة الوحيدة، التي تركزت نتائجها على أفقر السكان السود بنحو مخصوص. فحزب المؤتمر تعهد، في «برنامج التعمير والتنمية»، أي البرنامج الذي كان ركنا أساسيا في الحملة الانتخابية العائدة إلى العام 1994، بإعادة توزيع 30 في المئة من الملكية الإقطاعية. ولكن، وعلى خلفية اتفاق مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تخلى الحزب عن تعهده هذا واستعاض عنه ببرنامج يهدف إلى تنفيذ «إصلاح زراعي يتوافق مع اقتصاد السوق»، أي تنفيذ إصلاح زراعي شمل أقل من 1 في المائة من إجمالي أراضي برنامج الإصلاح الزراعي (*).

وقبل خمسة شهور من انطلاقة الانتخابات العائدة إلى نيسان/أبريل في العام 1994، تولت لجنة تنفيذية مؤقتة، الإشراف على برلمان جنوب أفريقيا. وبدلا من الحيلولة دون لعب الحزب القومي العنصري دورا في الحياة السياسية، بعد 45 عاما من ممارسة أبشع أساليب القمع والاضطهاد، وافق حزب المؤتمر على العمل مع هذا الحزب كشريك، وتسلم، مع الحزب العنصري سوية، من صندوق النقد الدولي قرضا بلغت قيمته 850 مليون دولار. ورسميا، أعلن الصندوق أنه منح هذا القرض بغية التخفيف من شدة الضائقة المالية التي تعانيها جنوب أفريقيا على خلفية الجفاف الناشر ظلاله على البلد.

ولكن، ولما كانت البلاد قد عانت الجفاف، قبل عام ونصف العام، ولما كانت نتائج الجفاف، قد جرى التغلب عليها، في اوسع الحدود، لذا تساءل المرتابون عن الأسباب الحقيقية لمنح هذا القرض. وكان الحق مع المرتابين فعلا؛ فقد كتبت مجلة Business Day في آذار/مارس العام 1994، أن القرض تضمن تعهدات سرية تشد الأعصاب وذات أهمية جوهرية في تحديد مسيرة البلاد. فهذه التعهدات لم تنصب على إلغاء الضرائب الجمركية وخفض الإنفاق الحكومي وتقليص أجور العاملين لدى الدولة فحسب، بل هي تضمنت، أيضا، طلبا يتعلق بتولي اثنين كانا من أعتى المجربين في النظام العنصري، منصبين، ربما كانا أهم منصبين بالنسبة إلى الرأسمال الدولي، أعني منصب وزير المالية ومحافظ المصرف المركزي.

وبعد مرور شهر واحد، نفذ حزب المؤتمر ما تعهد به سرا لصندوق النقد الدولي. فعلى الرغم من حصوله على أكثرية ساحقة، إذ فاز في الانتخابات بنسبة بلغت 62.5 في المائة، فإنه شكل «حكومة وحدة وطنية» لا تضم حزب المؤتمر، وحزب زولو القومي فقط، بل وضمت الحزب الوطني العنصري أيضا، كما أسند الوظيفتين المذكورتين إلى ممثلي النظام العنصري البائد، تماما كما طلب الصندوق.

وأمام الرأي العام، دأب قادة حزب المؤتمر على تبرير سلوكهم المتساهل مع النظام القديم، بحجة مفادها أن سياستهم تتوخى تحقيق «المصالحة» وبلوغ «المساواة بنحو سلمي». ولكن، وكما اتضح في الأعوام التالية، كانت هذه السياسة تصب، في المقام الأول، في مصلحة النظام البائد ورأس المال الدولي ولمصلحة الأعضاء القياديين في حزب المؤتمر أيضا. ولم يدم الأمر طويلا، حتى أحاطت الجماهير العمالية، بحقيقة ما قصده نيلسون مانديلا، عندما قال في افتتاح البرلمان العام 1995: «إن علينا أن نحرر أنفسنا من ثقافة التفكير بالاستحقاقات».

خلال رئاسته، التي دامت طويلا ولم تنته إلا في العام 1999، انتهج مانديلا، بمشاركة وزير المالية ومحافظ المصرف المركزي وبمساهمة صندوق النقد الدولي، سياسة ما كانت لها أي علاقة بالتعهدات، التي أعطاها هو حزب المؤتمر، للشعب الذي انتخبه رئيسا للبلاد. إن العكس هو الصحيح. فهذه السياسة لم تكن صفعة في وجه الجماهير العمالية وفقراء المواطنين فحسب، بل هي جسدت أيضا التحول الكبير، الذي أطلق العنان لليبرالية الحديثة، وطمأن، ليس النخبة، فقط، التي هيمنت على مقدرات البلاد في الأيام الخوالي، بل والمصارف الدولية والشركات العملاقة أيضا.

وفيما خُفضت أجور ورواتب العملين في الجهاز الحكومي، وكانت المشاريع والفئات الغنية تهلهل للتسهيلات الضريبية، التي حصلت عليها (2). على صعيد آخر، تمت «إعادة هيكلة» الصندوق الحكومي للمعاشات التقاعدية، بنحو يستجيب لمصالح أولئك، الذين عملوا، على مدى عقود كثيرة من الزمن، في خدمة النظام العنصري. واُجيز للمشاريع العملاقة حق تحويل أموال هائلة القيمة إلى خارج البلاد، ونقل مكان إقامتها الرئيسي إلى لندن. وغني عن البيان، أن هذه الإجراءات وإلغاء الضرائب الجمركية كانت عوامل فعالة في ضياع آلاف فرص العمل في البلاد. علاوة على هذا وذاك، مُنح المصرف المركزي حق زيادة الفائدة إلى معدل يتكون من خانتين. ومما لا شك فيه هو ان هذه السياسة النقدية قد حظيت بترحيب المضاربين بالعملات، وأسفرت عن إفلاس الكثير من المشاريع الوطنية صغيرة الحجم. كما أُلغي القانون، الذي كان يحدد معدل الفائدة على القروض بمعدل لا يزيد على 32 في المائة.

وحققت سوق الأسهم والسندات (البورصة) طفرة كبيرة، وكسبت صناديق التقاعد أرباحا كبيرة، وأقرت الحكومة، خلافا للقواعد التي كانت دارجة حتى ذلك الحين، في حق أرباب العمل في إدارة شؤون هذه الصناديق. وخلافا لما كان متوقعا، لم يُمنع تصدير الأسلحة، بل هو ازداد اتساعا، وواصلت البلاد بيع الأسلحة حتى للحكام المستبدين. وجرى تحرير النظام المالي من القيود، بنحو تسبب في تقليص الاستثمار بصورة متصاعدة، وجرى استحداث البيئة المناسبة لأن تُخصص مقادير متزايدة من رأس المال، لأغراض صفقات المضاربة الدولية. وبناء على هذا كله، لا غرو أن يتحول القطاع المالي وعمليات التأمين وسوق العقارات إلى مجالات عظيمة الربحية، وأن يتراجع، بنحو ملحوظ حجم الانتاج الصناعي.

إن التعهد، الذي أعطاه حزب المؤتمر لبسطاء السكان السود، والقاضي بأن تدهور مستوياتهم المعيشية في الأجل القصير، سيفضي إلى تحسن هذه المستويات بصورة ملحوظة في الأمد الطويل، كان كذبة كبيرة، كما تبين لاحقا. فليس في عهد مانديلا فقط، بل وفي عهد خليفته، امبيكي وزوما، أيضا، كان تطور المستويات المعيشية، يسير باتجاه واحد بقدر تعلق الأمر بالفئات الأقل رخاء-باتجاه المنحدر. وعوضا عن تزايد فرص العمل، بالمقدار، الذي جرى التعهد به، أي بمعدل سنوي يبلغ 3 إلى 4 في المائة، تراجعت فرص العمل، خلال النصف الثاني من عقد التسعينيات، بمعدل تراوح بين واحد إلى أربعة في المائة سنويا. وفي المنظور العام، ارتفعت نسبة البطالة في صفوف السكان السود من 36 في المائة إلى 47 في المائة بين العامين 1994 و2004. وفيما انخفض متوسط دخل السكان السود بمعدل بلغ 19 في المائة، ارتفع متوسط دخل الشريحة البيضاء من سكان جنوب أفريقيا بنسبة بلغت 15 في المائة. ومن استطلاع يعود إلى عام 1996، تبين أن نحو مليون ونصف المليون من سكان جنوب أفريقيا السود، يقطنون في جحور بائسة. وفي العام 2011 ارتفع العدد إلى نحو مليونين –أي ارتفع بما يساوي 30 في المائة تقريبا.

وعانت الفئات الموجودة في ادنى السلم الاجتماعي، أشد أنواع الغبن، فيما يتعلق بالمشاركة بثمار تطور النظامين المدرسي والصحي. فقد تزايد عدد المدارس التي تتقاضى رسوما من التلاميذ، ومن أفقر التلاميذ أيضا، علما بأن هؤلاء التلاميذ أُكرهوا على دفع تكاليف الزي المدرسي، والكتب والدفاتر المدرسية وأجور النقل إلى مدارسهم. ومن دراسة تعود إلى العام 2001، تبين أن النظام التعليمي الحكومي في جنوب أفريقيا كان في وضع مأساوي حقا وحقيقة.. وفيما حققت سوق أسهم الشركات، وعمليات المضاربة المالية، أرباحا بلغت مليارات الدولارات، كان 27 في المائة من المدارس بلا مياه صالحة للشرب، و43 في المائة بلا تيار كهربائي، و80 في المائة ما كانت تتوافر لا خزانة كتب ولا على جهاز كمبيوتر.

أما بالنسبة إلى النظام الصحي، فإن الأمر كان أشد وخامة. فعلى خلفية، الاجراءات التقشفية في الموازنة الحكومية، وخصخصة العديد من المؤسسات الصحية، انتشرت، بنحو أسرع وبنسبة أكبر مما كان سائدا أيام التمييز العنصري، أمراض كثيرة، من جملتها السُّل والهَيْضَة والملاريا ومرض نقص المناعة (الإيدز). ولأن مياه الشرب غير معقمة بالنحو المطلوب، ولأن خصخصة الكثير من شركات الغسالة، منح الشركات الأوروبية الفرصة المناسبة لزيادة أسعار المياه الصالحة للشرب بنحو كبير لذا يلاحظ المراقبون أن في كل عام يتوفى عشرات الألوف من الاطفال جراء إصابتهم بمختلف أنواع الإسهال. وما من شك في أن أفظع مؤشر لقياس مدى تدهور المجتمع، ينعكس من خلال ما رصدته منظمة الصحة العالمية من تراجع في متوسط العمر المتوقع بمقدار بلغ 13 عاما (من 65 إلى 52 عاما)، خلال العقد الأول من حكم حزب المؤتمر الوطني الأفريقي.

ولم تتسع الهوة الاجتماعية بين الأغنياء من البيض والفقراء من السكان السود فقط، بل اتسع التفاوت الاجتماعي، وبنحو مطرد، بين الشرائح السوداء أيضا. ومن أجل تزويق صورتها وتحسين صيتها، تبنت الحكومة في العام 2004، «برنامج الدعم الاقتصادي للسود» (Black Economic Empowerment Program). وبموجب هذا البرنامج، صارت الدوائر الحكومية، مطالبة بمحاباة المرشحين السود وتمكنيهم، بنحو أقوى، ملء الوظائف الشاغرة في الإدارات والشركات الصناعية العملاقة. وترتبت على هذا البرنامج، ارتفاع نسبة المديرين السود، العاملين في الشركات المدرجة في البورصة، من الصفر إلى 20 في المائة. أما بالنسبة إلى الشرائح الموجودة في أدنى سلم الدخول، فإن هذه الإجراءات كانت عديمة الأهمية بالكامل.

بيد أن سياسة القادة النقابية السود كانت أكثر أهمية بكل تأكيد. فهؤلاء قادوا احتجاجات المواطنين ضد تدهور المستوى المعيشي، بمهارة كبيرة في بادئ الأمر، ليحولوا، من ثم، إلى ممارسات عقيمة، وذلك من خلال دفع المحتجين إلى القيام بإضرابات متفرقة. وبهذا النحو، قدم هؤلاء النقابيون خدمات جليلة للحكومة وساعدوها على تنفيذ نهجها المسترشد بالليبرالية الحديثة. وكافأت الحكومة صنيعهم هذا بسخاء كبير. فسايريل رامافوزا (Cyril Ramaphosa)، رفيق مانديلا في الكفاح ضد النظام العنصري وأحد الأعضاء المؤسسين لنقابة عمال المناجم والاتحاد العام للنقابات، هو خير عنوان على هذه الشريحة. فقد تحول الآن إلى صناعي كبير، يتوفر على العديد من المليارات، وصار من شريحة أغنى جنوب أفريقيا. (ومانديلا أيضا، كان في حياته من كبار الأثرياء، وترك لورثته ثروة وحصصا في شركات مختلفة يزيد عددها على المائتي شركة) (**).

إن السياسية المبتغاة من قبل صندوق النقد الدولي، والمنفذة من قبل الحزب الوطني الافريقي، وحولت جنوب أفريقيا إلى بلاد، اتسعت على هامش هوة التفاوت بين اولئك الذين يرفلون بالنعيم وأولئك الذين يعيشون على هامش الحد الأدنى للمعيشة، إلى مقدار يكاد لا يكون له مثيل في العالم. وغني عن البيان أن اتساع هوة التفاوت هذه قد أبان زيف أهم الحجج التي ساقها نيلسون مانديلا وحزبه، حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، لتبير تساهله حيال النظام البائد، أعني التأكيد بلا انقطاع على أهمية «التعايش السلمي بين سكان البلاد والنأي بالنفس عن استخدام العنف». فجنوب أفريقيا تسجل حاليا إحدى أعلى معدلات العنف والجريمة وتُعتبر من أقل بلدان العالم أمنا ومن أكثرها خطرا.

وغني عن البيان أن عشرة في المائة، فقط، من السكان، يشعرون بالأمان في جنوب أفريقيا، نعم العشرة في المائة، الذين يستحوذون لأنفسهم على خمسين في المائة من مداخيل العائلات وينعمون برخاء يوفر لهم كل ما تصبو إليه النفس من كماليات وبضائع –يعيشون آمنين في أحياء تحجبها عن انظار البؤساء جدران يبلغ ارتفاعها العديد من الأمتار، وتحيط بها أسلاك شائكة ونظم إنذار وقوات أمنية خاصة مدججة بالسلاح من أخمص القدم وحتى آخر شعر في الرأس. وعلى ما يبدو، إن هذا هو نوع الحياة التي نوهت بها كريستين لاغراد حينما قالتا، إن مانديلا بذل قصارى جهده لأن يجعل «جنوب أفريقيا.. مقاما أفضل».

هوامش الفصل الثامن

(1)تفصيل هذه المحادثات، مثبت في العديد من المقابلات، التي أجرتها وسائل الإعلام مع مدير جهاز الاستخبارات برنارد في السنوات التالي.

(*)في العام 1994، شكك اليسار الماركسي في حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في الخيارات الاقتصادية لحكومة مانديلا بدعوى انها لطمأنة المصالح الاقتصادية المحلية والأجنبية، لاسيما أنه جرى استبعاد كل التغييرات الاقتصادية والاجتماعية الجذرية وفقا للمفاوضات السرية المشار إليها في المتن. كما عاب اليسار الماركسي على مانديلا، إهماله تكثيف الاستثمار في الأشغال العامة خلال فترة رئاسته، خوفا من ظهور الشيوعية. وهكذا، وعوضا عن ذلك، لجأت الحكومة إلى وضع خطة لبناء مساكن تمولها مصارف خاصة في جنوب أفريقيا، بيد أن هذه المصارف لم تمنح التمويل للمقترضين السود والفقراء (المترجم).

(2)لقد خُفضت ضريبة الشركات على مراحل، وذلك من 48 في المائة العام 1994 إلى 30 في المائة العام 1999.

(**)ربما انطوى حديث المؤلف عن مانديلا على شيء من التجني، فإحقاقا للحق نقول إن مانديلا خلف منزلا فخما في جوهانسبرغ، وسكنا متواضعا في موطنه في إقليم الكاب الشرقي. وكشف قاض في جنوب أفريقيا، أن الزعيم التاريخي الراحل نيلسون مانديلا، ترك ممتلكات تقدر بنحو أربعة ملايين دولار. علما بأن هذه التركة قد جرى توزيعها على أفراد أسرته وحزبه (المؤتمر الوطني الأفريقي) وعلى عدد من المدارس. ولم يجمع مانديلا هذه الثروة من عمليات اختلاس وارتشاء قط، فهو كان نزيها إلى أبعد حدود النزاهة، كما هو شائع. فهذه الثروة كان الجزء الأعظم منها من الأرباح التي درتها كتبه ومن بينها سيرته الذاتية الموسومة «مسيرتي الطويلة للحرية». علما بأن هذا الكتاب قد تُرجم إلى جل لغات العالم. وشتان ما بين مانديلا والكثير من حكام بلدان العالم الثالث من اختلاف في النزاهة. فجل ثروات البعض منهم هي سرقات من قوت الشعب البائس فعلا، وليس من مؤلفات نشروها أو صناعات تولوا قيادتها. [المترجم]

رقن: الطلبة الثوريون أنصار تيار المناضل-ة