الرئيسية » نضالات » نضالات عمالية وشعبية » كادحو أنريكي: مسيرة 100 كلم على الأقدام من أجل إعدادية لأبناء الكادحين

كادحو أنريكي: مسيرة 100 كلم على الأقدام من أجل إعدادية لأبناء الكادحين

 

 

تزداد أزمة التعليم في المغرب استفحالا يوما عن يوم. رداءة في كل شيء مضمونا وشكلا. تعليم للتربية على الخضوع والاستسلام والقدرية، وفي الوقت نفسه لتوفير يد عاملة مؤهلة ومدجنة.

وضع شديد التدهور، تزيده تعديات الدولة بسياساتها النيوليبرالية سوءا. صعود صاروخي للتعليم الخصوصي، وتحضير لفرض الأداء في التعليم العمومي من خلال إلغاء مجانيته، وفرض الهشاشة على العاملين فيه عبر التشغيل بالعقدة، وفصل التوظيف عن التكوين…

أثار هذا الوضع الكارثي ردود فعل نضالية متنوعة؛ إضرابات العاملين، واحتجاجات التلاميذ وذويهم، واحتجاج فئات مختلفة كان أبرزها مؤخرا معركة دامت أكثر من سنة ونصف للأساتذة المتدربين، ومعركة خرجي البرنامج الحكومي 10000اطار إداري وتربوي…

سكان «أنركي” يحتجون من اجل تنفيذ وعود بناء إعدادية.

ليست المرة الأولى التي يحتج فيها سكان قرويون مهمشون، أو سكان الأحياء الفقيرة بالمدن، من أجل توفير سبل التعليم لأبنائهم. مثل هذه النضالات تشهدها دوما المواسم الدراسية نتيجة الخصاص المهول في البنية التحتية والأطر… وهذه المرة أيضا، خرج سكان منطقة انركي للاحتجاج من أجل المطالبة بإحداث إعدادية تمكن أبنائهم من متابعة الدراسة. توجد انركي في النفوذ الترابي لإقليم أزيلال، وهي قرية مغربية تضم زهاء 4000 نسمة.  

وفي المنطقة (إقليم أزيلال) نفسها دخلت ساكنة تفرت نایت حمزة اعتصاما مفتوحا منذ يوم الخميس 9 فبراير 2017 أمام مقر الجماعة للمطالبة بمجموعة من المطالب الاجتماعية المستعجلة. ولم تمنع الأحوال الجوية الممطرة والباردة ساكنة المنطقة من مواصلة اعتصامهم إلى حين تحقيق مطالبهم التي أجملوها في: -توفير سیارة لإسعاف المرضى بتفرت نایت حمزة -توفير الأدوية بالمركز الصحي الذي لا يتوفر أصلا على طبيب -مراعاة تصميم التهيئة بمركز الجماعة لمصالح الساكنة مع تعويض المتضررين. -وضع حد لعشوائية مواقع قنوات صرف المياه بالطريق الرابط بين تفرت نایت حمزة وتكلفت. – تعيين موظف بدار الشباب وأخر بدار الثقافة.

يعاني هذا الإقليم من ظروف مناخية قاسية، ومن سياسات الدولة التي أبقت على تهميشه ولا تزال. إقليم مهمش يئن تحت قسوة الطبيعة وعنف سياسات الدولة التقشفية، لكنه إقليم مقاوم شهد في السنوات الأخيرة عددا كبيرا من الاحتجاجات والمسيرات حول الغلاء والماء والكهرباء والتعليم والصحة والتعمير والشغل…

اقليم من “المغرب غير النافع” لمردودية الرأسماليين

ثم إحداث إقليم أزيلال بتاريخ 23 أبريل 1975 وثم ضمه لجهة تادلة أزيلال بتاريخ 12 أبريل 1997، ويمتد على مساحة 10.487 كلم مربع بنسبة 61% من المساحة الإجمالية لجهة تادلة أزيلال و1.5% من المساحة الوطنية، يحده شمالا إقليم بني ملال وجنوبا ورزازات وشرقا الراشدية وغربا إقليم قلعة السراغنة وإقليم الحوز، وهو عبارة عن مناطق جبلية بالكامل، وعدد سكانه الحضريون توزيع السكان بالإقليم 81.699 نسمة، والقرويون 422.802 نسمة. ومعظم جماعاته قروية.

إقليم فقير، تنتشر الأمية والفقر في أوساط الآباء والأمهات (هدر مدرسي كبير، وتزويج القاصرات، وتشغيل الأبناء في الرعي وجلب الماء…)، ويعاني تفاوتا حادا في الولوج إلى التعليم بالنسبة للتلميذات وللتلاميذ، والتعليم الأولي ليس معمما حتى الآن، ومؤسسات التكوين نادرة، والأقسام المتعددة المستويات منتشرة بمختلف المجموعات المدرسية. أما الانتقال من مستوى إلى آخر فيتم بناء على توقعات الخريطة المدرسية دون مراعاة الاستحقاق والكفايات المطلوبة الشيء الذي تسبب في تدني مستوى المتعلمين وعدم تمكنهم من الكفايات الأساسية، والأطر التربوية والإدارية غير مستقرة (أزيلال إقليم عبور) ما يحرم أبناء الإقليم من الاستفادة من الخبرة والتجربة المتراكمتين لدى الأساتذة والإداريين.

تعاني الفتيات بشكل خاص من هذا الوضع المأساوي، إذ يشكلن الضحية الكبرى للانقطاع عن الدراسة، أو عدم ولوجها أصلا، بالمناطق الجبلية بخاصة عند الانتقال من الابتدائي إلى الاعدادي. ضف لذلك هزالة الإطعام المدرسي والوجبات المقدمة بالسلك الابتدائي، وكون مجموعة من المؤسسات الابتدائية غير مرتبطة بالكهرباء، والماء، ولا تتوفر على المرافق الصحية، وتعاني من تهالك البناء… والعناية الصحية ضعيفة. ولا تستوعب الداخليات ودور الطالبة والطالب المتوفرة والقليلة الأعداد المتزايدة من التلميذات والتلاميذ الوافدين من المناطق النائية، ما يؤدي إلى الهدر المدرسي ويزيد من معانات التلاميذ وأسرهم، بالنظر إلى ضعف النقل المدرسي بالإقليم. وشح الاستجابة لطلبات منح التعليم العالي بالإقليم.

         نظمت ساكنة دواوير جماعة  “أنركي”، التابعة للنفوذ الترابي لإقليم أزيلال بجهة بني ملال، مسيرة على الأقدام نحو مقر ولاية جهة بني ملال، وذلك على مسافة 100 كلم، للمطالبة بإحداث مؤسسة للتعليم الإعدادي بمنطقة “أنركي” القروية، تخول لأبنائهم متابعة الدراسة، وإنقاذ الشباب من الهدر المدرسي، حيث ظل أبناء الساكنة يعانون من الهدر المدرسي لعقود من الزمن. وجاءت المسيرة على إثر تجاهل الجهات المسؤولة.  لمطلب بناء إعدادية، التي بدأت حوارها مع الساكنة مند ازيد من 3 سنوات، وأفاض الحوار في تلك الأثناء على بناء نواة بحلول 2015، دون جديد يذكر.

المبيت في العراء وحالات اغماء في صفوف المحتجين من اجل تحقيق مطالب مشروعة.

قطع المحتجون مسافة 40 كلم بعدما قضوا ليلتهم بأحد الدووير البعيدة عن بني ملال ب 60 كلم، واستقبلتهم ساكنة الدوار تنكارف تجسيدا لروح التضامن ووزعوا بين أُسر الدوار لقضاء الليلة، وتشهد المنطقة أجواء برد قارسة تصل فيها درجة الحرارة إلى ما دون الصفر بالإضافة إلى صعوبة المسالك الطرقية…

والمسيرة شهدت شيوخ ونساء وأطفال صغار محملين بأمتعتهم يتكبدون عناء المشي من أجل مطلب صغير أو بالأحرى حق بديهي وهو بناء إعدادية بايت داود وعلي. إن معركة نساء وشيوخ وأطفال انركي anrgue  الدين باتوا في العراء في جبال تاصميت. شهدت حالات إغماء وفقدان الوعي وكذا كدمات بسبب موجهة البرد التي تجتاح هذه المناطق في موسم الثلوج. وقد تناقلت مجوعة من المواقع صور الجروح التي أصابت المشاركين في المسيرة خصوصا على مستوى الأقدام بسبب طول الطريق والمسالك الوعرة التي تمتاز بها المناطق الجبلية

ساكنة “انركي” تعري واقعا متأزما لسياسة الدولة في التعليم.

تشير التقارير التي تنجزها مجموعة من المؤسسات الدولية الى تدني المستوى التعليمي بالمغرب. فأخر تقرير يشير الى انه يحتل المرتبة 101 من أصل 140 دولة شملها مؤشر جودة التعليم، بينما صنفت اليونسكو المغرب من ضمن أسوأ 21 دولة في مجال التعليم في العالم. السياسة التعليمية بالمغرب، تشجع التعليم الخاص على حساب التعليم العمومي الشعبي، لذلك فتتهرب الدولة من انشاء المدارس و الداخليات والمطاعم الى غير ذلك من المتطلبات البسيطة لتعلم التلميذات والتلاميذ، لذلك فساكنة انركي anrgue، احتجت من اجل توفير مطلب بسيط متمثل في بناء اعدادية تمكن الأبناء  والبنات من حقهم الكوني في التمدرس، لأن الساكنة مع كل دخول الموسم الشتوي يعاني ابناء ايت انركي بجبال ازيلال من ويلات الطقس البارد جدا، وكذا ابناءهم الذين يقطعون مسافة ما بين 10 الى 15 كلم الى  الاعداديات المجاورة في ظروف مناخية قاسية ،مشيا على الاقدام. وهذا ما يهدد مسيرة الاطفال الدراسية، لغياب المطاعم المدرسية ومؤسسات الايواء ودور الطالبة والداخليات وان وجدت فهي لا تلبي حاجيات الأطفال، وكذا لضعف البنيات التحتية من طرق ووسائل نقل مدرسية، قد تخفف من معاناة الاهالي وابناءهم، لذلك وبعد اتفاق ابرم سنة 2014 ولم تفي الجهات بوعودها، عاد سكان الجماعة الى الاحتجاج اولا مع الدخول المدرسي بتنظيم امام القيادات وامام مديرية التعليم بإقليم ازيلال لكن دون ان يلتفت احد لمطالبهم العادلة والمشروعة. وهاهم الان يعتصمون بولاية الجهة من اجل هذه المطالب.

ولاية الجهة تسارع الخطى لإقبار المسيرة

بعد الاحتجاج بالمسيرة على الأقدام نحو مقر الولاية ببني ملال، والمتابعة الإعلامية، سارعت السلطات إلى وقف زحف الساكنة على الأقدام، وأرسلت شاحنات لنقلهم إلى المدينة للتحاور مع والي الجهة؛ هذا الأخير قدم وعود لتهدئة الأوضاع لاحتواء شرارة انتفاضة ايت انركي دون التزامه وتوسطه. ولم يقدم أي حلول توسط حوار الساكنة مع ممثلي وزارة التربية الوطنية من اجل توقيع الاتفاق لبناء ثانوية إعدادية لتمدرس أبنائهم وبناتهم. لذلك فلازال المحتجين مستمرون في معركتهم بجوار ولاية بني ملال، مع لافتات تعبر عن مطالبهم في التعليم، المتمثل في بناء إعدادية بجماعة “انركي”

لا لتجاهل مطالب السكان المهمشين

لم تلق معركة كادحي أنركي الدعم والتضامن اللازمين، بل طالها تشويه الإعلام المأجور الذي لا يرى في احتجاج المهمشين غير الأياد الخفية المستهدفة “لاستقرار البلاد وأمنها”، كما لو أن الاحتجاجات ليست سوى رد على حرب طبقية طاحنة تشنها الدولة وتأتي على الأخضر واليابس من حقوق الناس ومكاسبهم.

غياب التضامن يسهل دوما مأمورية الحاكمين في نسف الاحتجاجات واحتوائها بالوعود الزائفة التي تلتف على المطالب التي خرج سكان القرى المهمشة من أجل انتزاعها.

معركة انركي تعود بوعود يلزم التيقظ نضاليا من أجل تحققها

أنهى سكان انركي معركتهم التي دامت حوالي ثلاث اسابيع، من أجل توفير إعدادية، بعد اجتماع بين ممثلي السكان المعتصمين، ومدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ورئيس جماعة انركي وممثل عن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وممثلي جمعيات مدنية.

انتهى الاجتماع بتوقيع محضر اتفاق بين الأطراف يقضي بإحداث إعدادية بانركي لموسم 2019-2020، والسعي لإحداث نواة في أفق 201862019، وتعميم المنحة على جميع التلاميذ المنتقلين إلى المرحلة الإعدادية، وتجميع تلاميذ الجماعة في داخلية تاكلفت، وتوفير الدعم التربوي والترفيهي للتلاميذ، وتوفير النقل…

إنه نموذج مصغر لحال النضال من أجل مدرسة عمومية فعلية في المغرب بشكل عام، وفي مناطقه المهمشة بشكل خاص. سكان مهمشون يناضلون في عزلة تامة دون نصرة من منظمات النضال التي عليها أصلا مسؤولية المبادرة للتعبئة والنضال من أجل التعليم الجيد للجميع، بخاصة وأن المناطق المهمشة تشهد أكبر نسبة للهدر المدرسي وفي سن مبكرة، ويعاني فتيانها وفتياتها بخاصة حرمانا مزمنا من حقهم الأساسي في تمدرس عمومي مجاني وجيد.

ان معركة سكان انركي هي معركة من أجل الدفاع عن التعليم العمومي ورفض السياسة المدمرة المملاة من طرف المؤسسات المالية الدولية. وكذا معركة ضد تسليع التعليم، وحرمان ابناء الكادحين من حقهم الأكثر أولوية وأهمية.

عاد المحتجون بوعود لن تجد طريقها للتحقق سوى بمواصلة النضال، كل التضامن مع سكان انركي من اجل تعليم مجاني وعمومي لكل فئات الشعب المسحوقة.

بقلم، الكادح بن اسماعيل