الرئيسية » نضالات » نضالات عمالية وشعبية » اوطاط الحاج، احتجاج جماهيري من اجل صحة جيدة ومجانية.

اوطاط الحاج، احتجاج جماهيري من اجل صحة جيدة ومجانية.

 

توسعت الاحتجاجات بعدة مناطق على قضية الصحة، وأظهرت في أغلبها التضامن الشعبي مع ضحايا خدمات الاستشفاء المتدهورة، هذه الخصلة الإنسانية التي لم تستطع الطبقة الرأسمالية نزعها من روح الكادحين المغاربة، حيث عملت كل ما في جهدها على أن تغرس فينا منطق الفردانية والأنانية وأخلاق الرأسمالية واقتصاد السوق، مع عملها اليومي وباستعمال ترسانتها الإعلامية والدعائية على ان يكون احتجاجنا ضد الموظفين البسطاء المغلوبين والمقهورين بدل سياستها وقراراتها الظالمة في حقنا، ويجب علينا توجيه السهم إلى العدو الحقيقي والفعلي، وكشفه.
بلدية اوطاط الحاج تابعة لإقليم بولمان تبعد عن مدينة فاس بنحو 300 كيلومتر، يقطنها نحو 13945 نسمة حسب إحصاء (2004) و 16388نسمة حسب إحصاء (2014)(1). ظلت المنطقة مهمشة وتشهد بطالة جماهيرية وفقرا منتشرا، وخوفا دائما من العطش. ما من مرة طالب السكان بتوفير المياه لأنشطتهم الزراعية المعيشية البسيطة وتربية المواشي التي ارتبطت بها حياتهم، حيث تستغل أغلب مساحات الأراضي في فلاحة تقليدية لم تعد تضمن حتى المعيشة الكريمة، مما جعل الناس يقومون بالهجرات الجماعية نحو المدن الكبرى القريبة والبعيدة، وبسبب الحرمان من الماء صارت جل المساحات أراضي جرداء وغير مزروعة.


سياسة التفقير والبطالة الجماهيرية.
بسبب مشاكل نتجت عن غياب طرق في المستوى ووسائل نقل مريحة تربط المنطقة بمحيطها وباقي المدن المغربية، يجبر سكان اوطاط الحاج والمناطق المجاورة على اعتماد “وسائل النقل الشعبي”، وهو ما تطلق عليه البورجوازية “النقل السري”، بينما الحقيقة هي استعمال وسائل نقل اضطراري بفعل غياب وسائل نقل عمومية بأسعار مناسبة، وهو الأمر الذي لن ولم تفكر فيه الدولة الرأسمالية السائرة على تنفيذ مخططات المؤسسات المالية الدولية وخصخصة قطاع الخدمات العمومية ومن بينها النقل لفائدة الرأسماليين المحليين والأجانب.
تعيش فئة الشباب حياة البطالة الواسعة وشبه المزمنة بسبب سياسة الدولة في التشغيل وغياب معامل ومصانع وقطاعات قادرة على امتصاص معضلة بطالة الشباب خصوصا خريجي المعاهد والجامعات ومراكز التكوين، أما العنصر النسائي بالمنطقة فانه يعاني الكثير، وعلى جميع المستويات.
وضع الصحة العمومية واحتجاج على سياسة الدولة الرأسمالية.
يوجد باوطاط الحاج مستشفى احمد بن إدريس الذي يقصده كذلك سكان القرى المجاورة، الذين غالبا ما تبعثهم إدارة المستشفى إلى مدينة ميسور التي تبعد بنحو 50 كلم، خصوصا النساء الحوامل، وكذا الإصابات والحالات المستعجلة التي تبعث إلى مدينة فاس على بعد نحو 300كلم، وكم عانى الناس من انعدام العناية وغياب التجهيزات والأطر الطبية المتخصصة والمشاكل الإدارية المسؤولة على التسيير، كما هو الحال في كل مكان بالمغرب، لكن لابد من طرح سؤال جوهري حول قضية الصحة والعلاج الجيد والمجاني، ما هي المبالغ المالية المرصودة والمخصصة لصحة المغاربة من طرف الدولة الرأسمالية؟ ومن خلال البحث عن الإجابة سيتضح لنا كيف تفكر الدولة الرأسمالية في صحة وعلاج الكادحين المغاربة؟ والى أين تسير بنا الأقلية الحاكمة؟
هناك حالات كثيرة من اجل العلاج مرتبطة بمستشفى اوطاط الحاج، الذي شيد بمنحة من أحد أمراء النفط، الإماراتي” الشيخ زايد بن سلطان أل نهيان” الذي بدء مهمة علاج الناس سنة 1997 بتسيير ذاتي، يضم 34 سرير صحي، و11 طبيبا من بينهم 5 أطباء متخصصين وعدد الممرضين 36 أما الإداريين والأعوان فعددهم 13، وسيارة إسعاف واحدة، لكن هل المسألة بناء فقط بدون تجهيز؟ ففي 14 اكتوبر2014 قام أحد السكان بنقل زوجته الحامل بواسطة “دراجة نارية” إلى هذا المستشفى بعد أن تعذر على إدارة المستشفى بعث سيارة الإسعاف إلى منزل السيدة الحامل بمبرر عدم توفرها، وفي منتصف دجنبر 2015 اضطرت سيدة حامل أن تضع مولودها بمدخل هذا المستشفى، وكانت قد قطعت مسافات طويلة، قادمة من قرية بومريم بنواحي جماعة تالسينت التي توجد بين إقليمي فكيك وبولمان، وكانت إدارة المستشفى وجهت السيدة إلى فاس أو جرسيف، وقد احتج سكان اوطاط الحاج بسبب الحالتين، وأخرى مشابهة كثيرة واستنكروها.


منذ زمان والناس يعانون من سياسة الدولة الرأسمالية التي جعلت صحة المغاربة بضاعة يتنافس على التجارة فيها البورجوازيون، وفي كل ما يرتبط بالصحة والعلاج: الأدوية، وإنتاجها واستيرادها وبيعها والنقل الصحي، والمصحات المجهزة…الخ. وكانت الوزارة المكلفة بصحة الناس أعلنت أن الميزانية المرصودة للقطاع تقدر بنحو 14 مليارا و300 مليون درهم، ومنظمة الصحة العالمية تقترح نسبة 12 في المائة من ميزانية الدولة، وميزانية الصحة بالمغرب تشمل نسبة 5 في المائة من مجموع الميزانية العامة للدولة، ومن هنا يظهر أحد أكبر المشاكل، وسبق أن أعلنت الوزارة أنها تعاني من نقص حاد في الموارد البشرية حيث وصل عددهم نحو 1500 منصب شغل مخصص للوزارة، وقد أشارت منظمة الصحة العالمية أن المغرب يعاني من نقص مهول في الموارد البشرية بهذا القطاع.
أما الاستراتيجية المستقبلية (2017-2021) التي تقول الدولة أنها تهدف إلى تقليص الفوارق الاجتماعية في الوصول إلى الخدمات الطبية بين القرى والمدن؟؟ وكان عمل الدولة في سنتي (2012-2016) القيام بصفقات شراء الأدوية المخصصة للمستشفيات العمومية، ولمدة سنتين لم تصل إليها وحولت إلى شراء أشياء أخرى مجهولة ليدفع السكان تكلفة الأدوية، وأعلنت الدولة عبر الوزارة أن البلد مهدد بنفاذ المخزون الاحتياطي والأمني لبعض الأدوية خاصة المتعلقة بالإمراض المزمنة، وبعضها فقد من الصيدليات بسبب المضاربات والمنافسة بين الشركات الرأسمالية التي تسيطر على استيراد الأدوية.
ان الوضعية الصحية للمغاربة تراجعت بشكل خطير، وان نصف السكان لا يتوفرون على تامين صحي، وان 144 مستشفى عمومي لدى الوزارة حالتها جد متدهورة وبشكل خطير جدا، يتجلى أهمها في غياب الأدوية والأمور الحيوية وغياب التجهيزات والمستلزمات الطبية الضرورية، والاهم والأخطر هو قلة الأطر والقوة البشرية النشيطة الأساسية، الأطباء والممرضين…الخ مما يهدد حياة المغاربة، وان ارتفاع الأوبئة تكاثر بشكل مخيف، وانتشار موت الأمهات الحوامل والأطفال دون سن الخامسة، وان هناك نحو 3000 حالة وفاة بسبب مرض السل سنويا، وظهور أمراض جلدية خطيرة بمنطقة الصحراء الشرقية مدينة زاكورة ومحيطها.
هذا جزء من حالة قطاع الصحة بالمغرب الذي لا تستطيع الدولة الرأسمالية والأقلية المسيطرة على المال والثروة والحكم والسلطة نكرانها، بل تؤكدها، لكنها تقوم دائما كما هي طبيعتها بتدخلات قمعية شرسة ضد المحتجين على هذه الأوضاع وتعتقل المناضلين والمناضلات المتضامنين مع ضحايا سياستها. ففي بداية سنة 2011 شكلت الجماهير الشعبية المغربية حركة 20 فبراير وطالبت بالعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، ومن بين مطالبها صحة جيدة ومجانية، وحاولت الدولة الالتفاف على تلك المطالب الشعبية، حيث شملت ميزانية سنة 2012 تحت ظل دستور لجنة خدام الاستبداد، بلغت الاعتمادات المرصودة لقطاع صحة المغاربة 11 مليار و880 مليون و384 ألف درهم، بنسبة 5 في المائة من إجمالي الميزانية العامة حيث صرف جزء منها على الشكل التالي، توظيف 2000 إطار طبي، وشبه طبي وإداري،(169 طبيبا و669 مقيما و1130ممرضا و32 من فئات مرتبطة بالقطاع) تكوين 3000 طالب سنويا في السلك الأول بمعاهد تأهيل الأطر في الميدان الصحي، إحداث مسلك “ممرض مختص في المستعجلات والعناية المركزة في معهد تأهيل الأطر في الميدان الصحي بالربط في أفق(2012-2013) اقتناء 70 جهاز(الاكوجرافيا) لفائدة المراكز الصحية الجماعية بأماكن التوليد، اقتناء 65 سيارة إسعاف.
من خلال متابعة تقارير منظمة الصحة العالمية التي تطرح نسبا تعتبرها ستحل بعض المشاكل وهي إنفاق نسبة 15 في المائة من الميزانية العامة للحكومات والتي حسب المنظمة بإمكانها أن تفيد في العلاج نسبيا، ويظهر لنا أن التقليص من ميزانية الصحة أسبابه سياسية مرتبطة بالسلطة ومن يتخذ القرارات السيادية وهذا لا تخفيه منظمة الصحة، وحسب وزارة الصحة المغربية فهي تشرف على كل شيء: الاعتناء بالبساتين، والنظافة والنقل… وعلى الوزارة ان تتخلى عن عدد من المهام بعلة أنها تثقل كاهلها…” هكذا يتم التمهيد لسياسة تفويض خدمات وعناية مرتبطة بالصحة، مع التصريح ان نسبة 5.3 في المائة المخصصة للصحة من الميزانية العامة للدولة عير كافية، اعتمدت ميزانية تقدر بنحو 14.79 مليار درهم لقطاع الصحة وتخصيص 4000 منصب شغل حسب ما قاله الناطق الرسمي باسم الحكومة بخصوص ميزانية سنة 2018، وكان وزير الصحة صرح بان المتوفر هو مركز صحي واحد لكل 42000 شخص، واقل من سرير واحد لنحو 1000 شخص، وطبيب واحد لكل 1630 شخص، وان عدد المستشفيات سنة 2011 هي 141 مستشفى، والطاقة الاستيعابية للمستشفيات العمومية نحو 27000 و326 سرير. وان 52 في المائة من العيادات متمركز بالمدن الحضرية الكبرى، وان 0.9 سرير يخصص لكل 1000 نسمة. وممرض واحد لكل 1109 في القطاع العام، و45 في المائة من الأطر الطبية تتركز بالعاصمة الرباط والمدينة الاقتصادية الكبرى الدار البيضاء.

وجهة الاحتجاج في اتجاه السبب الحقيقي.

الدولة الرأسمالية والطبقة البورجوازية والنظام الاستبدادي الذين ينفذون سياسة ومخططات وبرامج المؤسسات المالية الدولية الامبريالية التي أغرقت بلدنا في الديون غير الشرعية، ووهبت ثرواتنا وخيراتنا للشركات الكبرى الرأسمالية النهابة، هؤلاء هم المسؤولين الحقيقيين والفعليين على موت أبنائنا وبناتنا بالمستشفيات العمومية حيث خصصوا لصحتنا وعلاجنا نسبة جد هزيلة ولا يمكنها أن توفر مستلزمات وضرورات صحة جيدة ومجانية، وقد تركونا مع أمراضنا ننتقل من القرى إلى المراكز ويموت بعضنا في الطرق، أنهم الحكام الفعليين الذين يريدون أن يتوجه الاحتجاج ضد الموظفين البسطاء والأطباء والممرضين لكي يمسحوا كل ما اقترفوه من مصائب وويلات عليهم/ن. كما هي طبيعتهم دائما يضحون بالبسطاء أبناء الكادحين. لطمس الصراع الحقيقي بين الطبقات الاجتماعية.
الاحتجاجات من الواجب عليها أن تعرف خط نضالها والى أين تتجه، وتقصد مباشرة سياسة الدولة التي تقرر في مصيرنا أما الموظفين الإداريين فإنهم فقط ينفذون سياستها، والأطباء والممرضين /ات لن يستطيعوا تقديم أي خدمة في المستوى إذا كانت المستشفيات بدون تجهيزات ووسائل طبية، وينعدم فيها الدواء مع قلة الآسرة وقلة الطاقم البشري القادر على استقبال جميع المرضى. أن الأوضاع المزرية للمستشفيات بالمغرب والتي تعترف بها الدولة، فماذا ستقدم لنحو8.5 مليون نسمة من حاملي بطاقة “راميد” أي النظام الذي اعتبرته الدولة (مساعدة طبية) للمعدمين؟ وإذا كانت الدولة الرأسمالية وضعت “مشروع” لتكوين 3000 طبيب في أفق 2020 وتعترف بان التعثر ناتج عن بعض المؤسسات التكوينية غير الجاهزة ولازالت في طور التشييد، إذن ماذا أنجزت الدولة لصحة المغاربة وعلاجهم منذ 1956 إلى اليوم؟
الدولة نهجت سياسة اقتصاد السوق وتعتبر أن حل المشاكل التي تسببت فيها لمدة أكثر من نصف قرن لا يمكن حلها إلا مع القطاع الخاص أي تسليم صحة المغاربة للرأسماليين الكبار، وعقد شراكات معهم لأن تكاليف التجهيزات الطبية والتقنيات المستخدمة في قطاع الصحة باهظة حسب وزارة الصحة.
وفاة احد سكان اوطاط الحاج (ح.ط) البالغ 54 سنة والذي يحصل على معيشته من خلال عربة مجرورة على اثر حادثة تسببت له في إصابات جد بليغة برأسه، حيث تعذر على المستشفى الموجود بالمدينة النجاح في علاجه حيث استقبله يوم الثلاثاء 9 يناير 2018 واضطر على إرساله إلى المركز ألاستشفائي الجامعي بفاس، لكنه توفى في الطريق قبل وصوله للمركز على بعد نحو 40 كلم عن اوطاط الحاج، هذا حسب بلاغ وزارة الصحة وقالت بان استقباله بمستعجلات مستشفى اوطاط الحاج كان على الساعة الواحد والربع بعد الزوال (13:15) وخضع لفحوصات طبية لازمة لكن حالته الحرجة استوجبت نقله إلى فاس، وعلى اثر ذلك اندلعت الاحتجاجات، الناس يريدون مستشفيات قادرة على استقبالهم/ن وعلاجهم/ن عند الاصابات الخطيرة وهذا ما جعلهم يحتجون على الدولة وخداماتها الصحية بعد تراكم عدة مشاكل متعلقة بالتنمية الحقيقية.
اما المتابعات التي تقوم بها الشرطة والدرك ضد المناضلين-ات والمتضامنين-ات مع الحركة الاحتجاجية فهي اعتداء وهجوم ظالم من طرف الدولة على الحركات الشعبية التي تطالب بحقوقها ومحاولة من الدولة ونظام الاستبداد للتخويف والتهديد لضرب التضامن الشعبي الذي كشف بالملموس كل أضاليل الدولة وادعاءاتها حول التنمية وطي صفحة الماضي وحرية التعبير والرأي والتنظيم والتظاهر.
ومن اجل التصدي والوقوف ضد هذه التعديات والمتابعات والتهديدات والدفاع على المكاسب التاريخية للكادحين والطبقة العاملة، وانتزاع أخرى مهضومة، ومسيرة النضال من أجل الديمقراطية الحقيقية، يتطلب منا كل ذلك تحمل المسؤولية في بناء منظمات النضال على أسس ديمقراطية واستعمالها في كل المعارك التي تخوضها الحركات الشعبية ضد الأقلية الحاكمة والدولة الرأسمالية والنظام الاستبدادي، وسيظل الكادحون يحتجون باستمرار ويتعرضون للقمع من طرف عدوهم الطبقي ويحصدون الهزائم مادام حزب الطبقة العاملة الاشتراكي الثوري لم يخلق ويتأسس، وهي المهمة الأساسية المطروحة على الماركسيين الثوريين لإسقاط النظام الرأسمالي وبناء نظام اشتراكي على أنقاضه.
22 يناير2018
طه محمد فاضل