الرئيسية » تثقيف » الشعب العرقي مصدر الكاريزما

الشعب العرقي مصدر الكاريزما

تقديم موقع “الطلبة الثوريون أنصار تيار المناضل-ة”
النزعة القومية الشوفينية والعنصرية من أقوى الخصوم السياسيين والأيديولوجيين للحركة العمالية وحركات النضال ضد العولمة.
أدت الأزمة الاقتصادية العالمية المنطلقة سنة 2008 إلى فتح الباب أمام حركات اليمين المتطرف لاكتساح الساحة السياسية الانتخابية بالمراكز الإمبريالية، وشرعت تمزق أوصال الاتحاد الأوروبي (بدءا من بريكسيت بريطانيا، ودعوات مشابهة بكل من المجر وإيطاليا واليونان… الخ). وفي الولايات المتحدة انتهت حملة انتخابية قائمة على تحميل مسؤولية الأزمة للأمريكيين الجنوبيين والصين، بصعود دونالد ترامب المناصر لأمريكا قوية قائمة على حمائية اقتصادية شديدة ودعوة للتخلص من مهاجري الجنوب.
تحمل حركات اليمين المتطرف مسؤولية الأزمة الاقتصادية للآخر/الأجنبي، وتنامت حملات كره الأجانب والإسلاموفوبيا، مذكرة بموجات معاداة اليهود في أوروبا الوسطى ومهددة بتكرار مجازر وإبادات أواسط القرن العشرين (الحرب العالمية الثانية).
يقع على عاتق اليسار الثوري محاربة التأثير السياسي والأيديولوجي لهذه الحركات اليمينية، التي تعدى تأثيرها الطبقات الوسطى وأصبح يمس شرائح مهمة من الطبقات العاملة. ويحمل هذا خطر قيام “وحدة وطنية” داخل كل دولة بين كل طبقات “الوطن” (العاملة والبرجوازية) في مواجهة “الأوطان الأخرى” كما حدث في أوربا إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية.
يعيد اليمين المتطرف تقلد نفس المهمة التي تقلدتها الحركتين الفاشية والنازية بأوروبا: تحويل الصراع الطبقي إلى صراع “قومي”، حيث تتواجه الشعوب والدول القومية، بدل أن تتواجه الطبقات. ويحلون شعار “يا شعوب العالم تحاربوا” محل شعار “يا عمال العالم اتحدوا”.
تؤيد الطبقات البرجوازية الحاكمة بالمراكز الإمبريالية هذه الحركات وتفسح المجال أمامها لنشر تأثيرها السياسي، كونها تحرف طبيعة الصراع وتنفس من الاستياء الاجتماعي باتجاه من سيكونوا أضحيات على مذبح تجديد الرأسمالية المتأزمة.
لفهم أعمق للنزعة القومية الشوفينية والعنصرية نقدم مقتطفات من فصل “الشعب العرقي مصدر الكاريزما” من كتاب “البهيموت، بنية الاشتراكية القومية (النازية) وممارستها” للكاتب “فرانز ليوبولد نويمان . متفقين تماما مع منهجيته في عرض المسألة بناء على التطور التاريخي لها وجذورها الاقتصادية والأيديولوجية والنفسية، وملحين على أن المهمة ليس مساجلة الترهات النظرية لهذه النزعات: “بدلا من تفنيد النظرية العرقية، سنحاول أن نتفهم دلالاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية”.

=====
الشعب العرقي مصدر الكاريزما

لا بد للكاريزما التي يتصف بها الزعيم من أن تأتي من مكان ما، من الله أو من القبيلة. مصدر الكاريزما في النظرية النازية هو الشعب العرقي. قليلة هي التصريحات النازية التي لا تدعي أن السلطة كلها تصدر من الشعب. ورأينا أن نظرية كارل شميث الثلاثية استثارت انتقادا صارما لأنها انحرفت في هذه النقطة، ونسبت إلى الشعب دورا أدنى، مجردا من السياسة.
1. الأمة والعرق
ماذا يفهم النازيون الألمان من عبارة “الشعب العرقي”، ولم يشددون على تفوقه؟ ولم يتعمدون تحاشي استعمال كلمة “أمة”؟
الأعراق موجودة، لا إنكار لهذا، ويمكن تعريف العرق بأنه مجموعة أفراد يمتلكون سمات مشتركة وراثية وواضحة إلى درجة تميز جماعة من البشر عن جماعة أخرى. ولما لم نكن معنيين بالمسائل الأنثروبولوجية، فإن في وسعنا أن نتجاوز مسألة ماهية هذه السمات المميزة ومتى تكون واضحة وضوحا كافيا. كما أننا لسنا معنيين باعتماد أي تصنيف محدد للأعراق؛ فنحن نوافق على ما تذهب إليه الأكثرية الواسعة من علماء الأنثربولوجيا من أنه لا وجود لأعراق عليا وأعراق دنيا، وأنه لا وجود لعلاقة علمية ثابتة بين السمات العرقية والثقافية. “إن التفسير العرقي المزعوم للفوارق في الأداء والإنجاز البشريين هو إما سخافة وإما زيف”. ونحن نوافق أيضا على أنه لا وجود لأعراق نقية، وإن “كل جماعة متحضرة لها سجل تاريخي، إنما هي جماعة هجينة، وهو أمر كفيل بذاته أن يثبت بطلان النظرية القائلة إن المهجنين أدنى مرتبة من أنقياء العرق”.
لا تقدم الحجج العلمية شيئا يذكر في سبيل فهم العرقية أو العنصرية الألمانية. مثال ذلك أنه من غير المجدي مهاجمة هذه العنصرية بالإشارة إلى أن لفظة “آري” لا تدل على الاشتراك في البنية العظمية أو تركيبة الدم أو أي تشابه جسمي أو بيولوجي، بل على مجرد الأصل اللغوي المشترك. حتى مكتشفات الأنثربولوجيا النازية لم تدمج على أي نحو يذكر في الفلسفة النازية التي تقتصر على الحديث عن أعراق آرية، أو عن التفوق النورديكي أو الجرماني. وبدلا من تفنيد النظرية العرقية، سنحاول أن نتفهم دلالاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية. وهي محاولة كانت قد جرت من قبل؛ إذ لفت العلماء الانتباه إلى الصلة الوثيقة بين العنصرية واضطهاد الأقليات، تلك الصلة التي وسمت محاكم التفتيش، والحملة على الألبيجنسيين ، والحملة على الهوغونوت الفرنسيين، وفسرت الاضطهاد العرقي باعتباره شكلا حديثا من أشكال عدم التسامح الديني ومطاردة أصحاب البدع. وعلى هذا الأساس وصفت العنصرية بأنها أيديولوجيا مصممة لتبرير “اللامساواة في حقوق المواطنين” والدفاع عنها. هذه النظرية صحيحة حقا، ولكنها لا تساعدنا في معرفة لم حلت العنصرية محل النزعة القومية ولم باتت معاداة السامية، أي الشكل الألماني من أشكال العنصرية، مقبولة لا كذريعة للاضطهاد فحسب، بل كفلسفة حياتية حقيقية تغلب على كامل العقيدة النازية. لن نتمكن من حل هذه المسألة إلا عبر تحليل وظائف مختلف المفاهيم التي تنبني عليه هذه النظرة.
العرق ظاهرة بيولوجية تماما: وينطوي مفهوم “الشعب” على خليط من العناصر الثقافية. الأصل المشترك، الموقع الجغرافي المشترك، العادات والأعراف المشتركة، اللغىة والديانة المشتركة، تؤدي كلها أدوارا في قيام شعب من الشعوب، وإن تفاوتت الأهمية الخاصة لمختلف هذه العوامل تبعا للزروف التاريخية. غير أن مفهوم الشعب العرقي، وهو عبارة يشغف بها الألمان، إنما يرتكز أساسا على السمات البيولوجية؛ والعناصر الثقافية لا دور لها إلا في تمييز مختلف الجماعات داخل عرق واحد.
الأمة، خلافا لذلك، مفهوم سياسي بالدرجة الأولى. فهو ينطوي على فكرة الدولة التي لا يمكن تصور الأمة من دونها. فالشعب يصبح أمة إذا كان يملك إدراكا لغاياته السياسية المشتركة، وإذا كان قادرا على تحقيق إرادة سياسية موحدة وصونها.
الأمة والقومية ترتبطان ارتباطا جوهريا بالدولة. غير أن الأمة لم تخلق الدولة الحديثة، بل إن هذه نشات من إدخال الإنتاج السلعي الذي سبق ظهور الأمم الحديثة. فعندما يصبح أحد منتوجات العمل سلعة قابلة للتحول إلى نقد، يمكن أن يستعمل هذا النقد في بناء الدولة وإقامة بيروقراطية وجيش دائم. أولى الدول الحديثة كانت المدن- الدول الإيطالية التي لم يخلقها الشعور القومي ولا النضال القومي، بل الرأسماليون الذين استاجروا العساكر والبيروقراطيات لبناء آلة مركزية. وفي إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا تم إنشاء هذه الدول بأيدي الأجانب الذين استعان بهم الملوك الفرنسيون، والحكام الإيطاليون، والأمراء الألمان لكسر المعارضة الإقطاعية. فالدولة الحديثة الباكرة لم تكن غير قومية فحسب، بل كانت مناهضة للقومية بعمق أيضا. ولم تكن لحكوماتها أي شرعية. والنظرية السياسية التي تطورت خلال تلك الحقبة، حين لم تكن في موقع المعارضة، كانت معنية بصورة حصرية بأسرار السيطرة، أي التقنيات المستعان بها لتنصيب الحكام المستبدين استبداد مطلقا والحفاظ عل ىسلطتهم. وما أمير ميكيافيلي إلا النموذج الأمثل لهم كلهم.
الأمة، في وظيفتها الحاسمة، هي الأساس الأيديولوجي الذي يبرر السلطة القسرية المركزية فوق السلطة الإقطاعية، والمحلية، والكنسية. وهي تعمل عمل الآلية التي توحد تلشبكة الواسعة لمصالح الأفراد والجماعات، وهذا في الفترة التي أصبحت الطبقات الوسطى فيها واعية لأهدافها الخاصة ونجحت في فرضها على مجمل الشعب.
الأمة، في وظيفتها الحاسمة، هي الأساس الأيديولوجي الذي يبرر السلطة القسرية المركزية فوق السلطة الإقطاعية، والمحلية، والكنسية. وهي تعمل عمل الآلية التي توحد الشبكة الواسعة لمصالح الأفراد والجماعات، وهذا في الفترة التي أصبحت الطبقات الوسطى فيها واعية لأهدافها الخاصة، ونجحت في فرضها على مجمل الشعب.
كانت نظرية العقدج الاجتماعي، كما طورها هوبز، غير ملائمة لتلبية الحاجة إلى آلية وأيديولوجيا توحيدية، وسارع روسو إلى تسقط عيوبها وأوجه قصورها. كان هوبز قد ذهب إلى أن المصلحة الذاتية الأنانية يمكن على نحو ما أن تبقي المجتمع متماسكا، وأن الدولة، بوصفها إجماع الإرادات الفردية، يمكن أن تقوم وإن لم يغلب على أفرادها هدف مشترك. وقد أعلن روسو، على نقيض هذه النظرية، أنه لا بد للمجتمع من أن يكون “كيانا جماعيا أخلاقيا”. ولا بد للتحول من المجتمع الطبيعي إلى المجتمع السياسي، على قوله، من أن يولد “تغيرا لافتا جدا” في الإنسان “عبر إحلال العدالة في سلوكه محل الغريزة وإسباغ الصفة الأخلاقية على أفعاله التي كانت تخلو من هذه الصفة سابقا”. فحق الأقوى الذي كان أساسا في مذهب هوبز وسبينوزا السياسي لا يستطيع أن يوفر قاعدة يرتكز عليها المجتمع؛ فهذا الحق في رأي روسو هو إما نافل أو عديم المعنى.
الأمة تولد أهدافا مشتركة وولاءات مشتركة، وهي تجسد الإرادة العامة وتجعل الدولة مستقلة عن التكريس الإلهي، وتنشئ صلات حصرية بين الفرد والجماعة الدنيوية. والأمة فوق هذا، تمنح كل دولة قاعدة شرعية تختلف في هذا المجال عن كونية العصر الوسيط. وهي أخيرا تقضي على الشرعية المرتكزة على مبدأ السلالة الحاكمة الذي يماهي بين الدولة والحاكم. وأظهرت الأمة نفسها، خلال الثورة الفرنسية، باعتبارها القوة السياسية الحاسمة. ففي تلك الحقبة تحول العامل الذاتي، أي الشعور القومي، وإرادة الوحدة السياسية، إلى واقع موضوعي، وشكلت إحدى الطبقات، ألا وهي البرجوازية، نفسها كأمة بحيث أصبحت الأمة ملكا لهذه الطبقة. وتمكنت البرجوازية من أن تفرض عبر الأمة منظومة قيمها على الشعب كله.
كان لانصهار القومية بعقيدة سيادة الشعب التي هي أقدم منها عهدا، تضمينات ثورية تسمح بظهور مجتمع دنيوي أو علماني في جوهره؛ مجتمع تسوده منظومة من القيم المقبولة عند الجميع. وتشكل الثورة الفرنسية خير شاهد على الواقع الثوري للمفهوم الجديد. كان الأب سييس أول من روج لفكرة أن الطبقة الثالثة، أي الطبقة الوسطى، هي الأمة، لأنها كانت القطاع المنتج الوحيد فيا لمجتمع. فالأمة في رأيه هي مجموع الأفراد الذين يخضعون لقانون مشترك، ويتمثلون عبر المجلس التشريعي نفسه. الأمة هي حامل السيادة، وجودها هو تبريرها الكامل، وإرادتها هي القنون الأعلى. والدولة أداة في خدمتها، ولا تكون سلطة الدولة شرعية إلا بها ومن خلالها. كان مثل هذا التصور الموجه ضد الأرستقراطية والنظام الملكي ثوريا بصورة واضحة. كان تأثيره قويا إلى حد أنه حتى أنصار الثورة المضادة لم ينكروا وجود المة، بل حاولوا جاهدين أن يحولوها إلى مصلحة النظام الملكي والأرستقراطية.
حددت الثورة الفرنسية مجمل النقاش الأيديولوجي بين الدول الأوروبية قبل وصول هتلر إلى السلطة: الأمة ككيان مكون من مواطنين أحرار ومتساوين، وهذا تصور اليعاقبة للأمة. وفي رأي ارنست رينان أن الأمة هي استفتاء عام يتجدد يوميا ويتأسس على القرار الحر للرجال الأحرار.
تفسر الوظيفة السوسيولوجية لهذا المفهوم الجديد ذاتها بذاتها. فقد نهضت المناطق الاقتصادية الكثيفة السكان موحدة بالعملة المشتركة، والرسوم المشتركة، والمواصلات المشتركة؛ وقضت بذلك على السلطات الوسيطة المستقلة أو أضعفتها على الأقل، وطالبت بولاء جديد. أعلنت الثورات الفرنسية كلها، في الأعوام 1791 و1793 و1848، أن سيادة الأمة غير قابلة للتجزئة ولا للتحويل. ودافعت الأمة الجديدة دفاعا غيورا عن حقوقها؛ فكان النواب ينتخبون باسمها لا باسم أي جماعة أو طبقة، ولم يسمح لأي كان أن يقف بين الفرد والأمة. وترسخ ذلك في قانون لوشابليه (Le Chapelier) الذي سن خلال الثورة الفرنسية، وهو قانون حظر تشكيل الاتحادات؛ إذ أعلن لو شابليه أن الفرد “لا يدين بالولاء إلا للدولة وحدها حصرا وليس لأحد سواها”.
علاوة على ذلك، استعمل مفهوم الأمة لتحديد فرادة مجتمع محدد عبر تمييزه عن غيره من المجتمعات. ولا يمكن أن يحصل ذلك إلا عندما تتواجه مجتمعات يتسم كل منها بسمات خاصة يمكن تمييزها بيسر. فبعد انهيار مبدأ الكونية في العصر الوسيط، طرح مبدأ السلالة الحاكمة أساسا للفرادة. ولكن عندما انهار هذا المبدأ وأعقبته الدولة الليبرالية، لم يكن ثمة أي عامل دامج أو عامل قادر على تحديد الفرادة. كان في وسع الدولة الليبرالية أن تقوم بهذه الوظيفة. وكانت غايتها سلبية فحسب، ألا وهي: حماية الحياة، والحرية، والملكية. فالدولة من حيث هي آلات بيروقراطية، وأمنية، وعسكرية، تبدي من اوجه الشبه أكثر مما تبدي من أوجه الاختلاف، وبالتالي كان على المفهوم القومي أن يملأ الفراغ الذي خلفه زوال مبدأ السلالة الحاكمة. ووفر في الوقت نفسه العامل المثبت لفردية الدولة في عالم من الدول المتزاحمة.
2. العرقية في ألمانيا
خلافا لفرنسا، لم يشدد التطور الألماني قط على السيادة القومية. وفي الحقيقة، فإن مفهوم الأمة لم يترسخ قط في ألمانيا. صحيح أن فيخته، وهو من السباقين إل ىفكرة القومية والعرقية، صاغ فكرة الأمة الألمانيةن غير أن هذه الفكرة كانت تدل على “الشعب” وشددت على صلات التشابه العرقية والبيولوجية التي يولدها النسب المشترك على حساب صلات التشابه السياسية أو القرار الواعي والحر للمواطنين المتساوين. حتى فيلهلم فون همبولت، الليبرالي الكبير (Wiilhelm Von Humboldt)، أنكر سيادة الأمة، بينما نظر هاينريش فون ترايتشكه (Heinrich Von Trieitschke)، إلى المبدأ القومي باعتباره “فكرة مجردة”، “عبارة نابليونية” و”صورة فارغة”.
غالبا غالبا ما تسير الفكرة القومية والمبدأ الديمقراطي والسيادة الشعبية يدا بيد، واثنان هما معا مما لا يستسيغه المنظرون والساسة الألمان. وربما كان لتفرق الألمان والمنافسات بين مختلف الإمارات وأمرائها اليد الطولى في هذا النفور. وعلى أي حال فإن المنظرين والساسة الألمان إذا ما تكلموا يوما على الأمة فإنهم إنما يفعلون ذلم مع فصلها عن أي تضمينات يعقوبية، أو ديمقراطية، أو سياسية، أي عن أي عقيدة تتعلق بنظرية السيادة الشعبية. هكذا، أحلت نظرية العرق البيولوجية محل نظرية القومية السياسية. وقبل هتلر بزمن طويل، كان الرابط السياسي بين البشر الأحرار يميل إلى الإمحاء أمام الرابط العرقي بين الألمان.
ثمة سبب آخر لكون الفكرة القومية لم تؤد دورا حاسما في ألمانيا الإمبراطورية. فالتشديد على سيادة الأمة بما هي أمة يساوي بين الأمم ويشكل عائقا في وجه التوكيد على التفوق القومي. فإذا ما كانت الأمة تقوم عل ىالقرار الحر للبشر الأحرار، فلن تكون أي أمة متفوقة على أي امة أخرى. والسيادة القومية تعوق التوسع الإمبريالي. والحقيقة، أن الدول الديمقراطية متى لجأت إلى مثل هذا التوسع، فهي تكاد كلها تقريبا تلغي المفهوم القومي وتمجد السمات العرقية والبيولوجية التي تجعلها متفوقة على الأمة المغلوبة. ونظرية “مسؤولية الرجل الأبيض” دليل على هذا، وهي تصح على الولايات المتحدة. ولا نحتاج إلى أكثر من الاستشهاد بكتابات جوزايا سترونغ، أذ يقول: “من الظاهر أن الأنكلوساكسوني يمسك في يديه مصائر البشرية، ومن البين أنه من المقيض للولايات المتحدة أن تصبح موطنا لهذا العرق، والمستقر الرئيس لسلطانه”. فالنظرية العرقية كانت الأساس للتوسع الإمبريالي بقدر ما كانت الحل المزيف للتناقضات الطبقية.
مع ذلك، فإن النظريات العرقية لم يكن لها أثر أساس في تشكيل أيديولوجية الشعبين الإنجليزي والأمريكي. والنمو السريع لهذه النظريات في انكلترا وأمريكا خلال القرنين التاسع عشر وأوائل العشرين إنما كان بمنزلة مسعف في غزو دول استعمارية، شبه استعمارية، أو ضعيفة جدا، لكن خدمات هذه النظريات لم تطلب لتنظيم القدرة الكلية لهاتين الدولتين على خوض الحرب. ولم تكن الحال على هذا النحو في ألمانيا. فالتوسع الألماني كان ولم يزل يوجه ضد دول قوية؛ ذلك أن ألمانيا لما برزت بروز قوة إمبريالية، وجدت الكرة الأرضية موزعة بين مختلف الآت العسكرية. واستلزمت إعادة التوزيع قوة السلاح سفكا للدماء وإنفاقا للأموال الهائلين، حيثما تبينت استحالة إعادة التوزيع بالسبل السلمية. واستلزمت أيديولوجية قادرة عل ىتسويغ المجهود الهائل في أعين الشعب. وقامت بهذه الوظيفة نظرية تفوق العرق الألماني النورديكي المزعومة.
لزم عن ذلك أن عقيدة التفوق الألماني عميقة الجذور في تاريخ الفكر الألماني. من ذلك أن هردر، أو فيلسوف بارز من فلاسفة التاريخ، كتب عن “شعب استطاع بحجمه وشدة بأسه الجسدي، وروحه المقدامة، ومجالدته في الحرب… أن يساهم أكثر من أي عرق آخر في خير هذا الربع من الكرة الأرضية وشره. فالألمان هم الذين ذادوا عن المسيحية في وجه الغزوات المتواصلة التي شنها الهون (Huns)، والهنغار، والمغول، والترك. وبفضلهم أيضا، لم يتم فتح القسم الأكبر من أوروبا، وزرعه، وتطويره فحسب، بل وتغطيته وحمايته أيضا”. ويشارك في النظرة نفسها عدد كبير من المؤرخين والفلاسفة والاقتصاديين الألمان؛ إذ ألمح فريدريش فون شليغل (Friedrich Von Schlegel) إلى المزايا العرقية ليفسر تفوق القبائل الجرمانية على الرومان. كما ان هاينريش فون ترايتشكه مؤرخ حقبة بسمارك، وإن اتخذ موقفا متلبسا بعض الشيء بالنسبة إلى مسألة العرق، فسر التاريخ كعملية تتسم بصعود الأعراق وانهيارها، وأقام مقارنة بين الصفات العرقية للألمان والصفات العرقية للهولنديين والانكليز والروس والإيطاليين والأمريكيين، مظهرا أن كل الشعوب غير الألمانية تقع في مرتبة ادنى من الألمان من حيث السخاء والشعور بالجمال و”الإخلاص البسيط” الطبيعي. وجملة القول إن ترايتشكه وضع بيانا مصورا بالفضائل الألمانية لا يزال حتى اليوم مرجعا لكل صناع البروباغندا الألمان. وفي الوقت نفسه، حارب ترايتشكه الفلسفة العرقية التوتونية لاتحادات الطلاب (البورشنشافتن Burshenschaften)، وأله سلطة الدولة، وأنكر أن تكون مرة على خطأ، وأكد أن الحرب هي التعبير الأقوى والأوفر صحى عن قوة الدولة.
يبدو أن تأثير من يدعون باشتراكيي الدولة أو اشتراكيي المنابر الأكاديمية (Katheder) في التصور النهائي للعرقية النازية كان أهم من ذلك بكثير. فكتابات فريدريش ليست (Frederich List) وأدولف فاغنر (Adolph Wagner) تظهر بوضوح العوامل التي أسهمت في انتصار الأفكار العنصرية. كان هذا الرجلان يحاولان مجابهة النظريات الاشتراكية القائمة على الصراع الطبقي عبر انتباذ الفكر السياسي الليبرالي وإنشاء نظام لرأسمالية الدولة من شأنه أن “يستوعب” الطبقات العاملة ويفعم الشعب كله بروحية التفوق العرقي. كان المقصود تنظيم المجتمع للمغامرات الإمبريالية. واعتبر أدولف فاغنر أن المساعي البروسية للقضاء على الحركة العمالية السياسية والصناعية كانت قاصرة ومحتومة الإخفاق. كما أنه كان يعتقد أن التصور الغربي للأمة خطر على ألمانيا، لأنه ينطوي على إعطاء الطبقات العاملة حقوقا متساوية، وتسليمهم عبر ذلك مصير الأمة والدولة.
أما فريدريش ليست، أول نازي مفوه- ولم يكن مجرد سابقة من سوابق النازية، بل كان نازيا كامل الصفات- فحض على إنشاء نظام رأسمالية الدولة. وكتابه المعنون… (النظام القومي للاقتصاد السياسي) رسم الخطوط العريضة للمشروع، وكتابه الآخر المعنون… (مذكرة في قيمة التحالف بين بريطانيا العظمى وألمانيا وشروطه) أضفى عليه المزيد من الإيضاح. ويظهر الكتاب الثاني بأجلى بيان الأسباب الكامنة وراء قبول النظريات العرقية ورأسمالية الدولة.
يرى ليست أن القسم الحاكم من شعوب هذه الأرض لطالما ميز نفسه وفقا لنسبه… فيتكلم المرء عن عرق جرماني، وعرق روماني، وعرق سلافي من الوجهة السياسية. ويبدو أن قيض لهذا التمييز وحده أن يمارس تأثيرا عظيما على السياسة العملية في المستقبل. فعلى رأس الأعراق الثلاثة تقف بريطانيا، وفرنسا وروسيا… ولا يكاد يوجد مجال للشك في أن العناية الإلهية اصطفت العرق الجرماني وفضلته لما يمتاز به من طبيعة وسمات، كي ينهض بالمهمة العظمى، ألا وهي قيادة شؤون العالم وتمدين البلدان المتوحشة البربرية، وأن يسكن منها ما يزال غير مأهول، لأنه لا قدرة لأي عرق من الأعراق الخرى على أن يهاجر بأعداد ضخمة ويؤسس مجتمعات أكمل منه في الأراضي الأجنبية… وأن يجعلها بمأمن من تأثيرات البرابرة وأشباه البرابرة من السكان الأصليين.
وتقع على انكلترا التي يسكنها عرق جرماني وتتمتع بأسطول عظيم وإمبراطورية مترامية الأطراف، مهمة إعادة تنظيم العالم. غير أنها لا تستطيع أن تقوم بذلك إلا بمعونة ألمانيا. “التحالف مع ألمانيا سيقى الوسيلة الوحيدة التي تستطيع انكلترا من خلالها أن تجعل آسيا وإفريقيا صالحتين لخدمة عظمتها المستقبلية، التحالف مع ألمانيا لا كما هي اليوم، بل مع ألمانيا كما ينبغي أن تكون وكما تستطيع أن تكون بمساعدة انكلترا”. وعلى انكلترا أن تعترف، على ما يرى ليست، بأن ألمانيا لا تستطيع أن تصبح قوية على أساس التجارة الحرة. فالتجارة الحرة ملائمة لأمة قوية أصلا. ألمانيا مفككة وضعيفة، ولا يضمن وحدتها السياسية وقوتها الاقتصادية شيء إلا الرسوم الجمركية الحمائية. ينبغي أن تصبح قوية إلى حد تقتدر معه على إبقاء فرنسا وروسيا في وضع دفاعي. علاوة على ذلك، أثبت التجارب السابقة إثباتا وافيا أن نمو ألمانيا الصناعي يخدم مصالح انكلترا، لأن انكلترا تمد السوق الألمانية بالسلع.
هكذا كانت ليست أول من وضع النظرية التي طورها هتلر في شكلها الكامل في كتابه كفاحي وحاولت السياسة الخارجية النازية تحقيقها في السنوات التي سبقت معاهدة عدم الاعتداء الألمانية- الروسية عام 1939: إعادة توزيع الكرة الأرضية بين ألمانيا وانكلترا على أساس مذاهب التفوق العرقي الجرماني.
وتظهر دوافع مماثلة في كتابات أدولف فاغنر، زعيم الاشتراكيين الأكاديميين، ونشاطه السياسي. فالمشكلة الأساس التي يطرحها على نفسه هي: كيف يمكن أن تصبح ألمانيا قوية؟ لا يمكن أن يحدث هذا من خلال قبول النظام الاقتصادي البريطاني، أي حرية التجارة وحرية التنافس. كما لا يمكن لألمانيا أن تصبح عظيمة بقبول الاشتراكية الماركسية، أي النظرية المادية التي تحض على الصراع الطبقي وترفض حق الملكية. غير أن فاغنر مستعد لأن يعترف بأن ثمة ذرة من الحقيقة في النقد الماركسي لليبرالية. والحل يكمن في بناء الاقتصاد الألماني وفق الخطوط التي اقترحها ليست. فالاقتصاد يجب أن يكون خاضعا للجماعة، وينبغي للمصالح الأنانية كافة أن تخضع للدولة. والجماعة التي تكتسب التفوق على هذا النحو هي جماعة عرقية تصورها فاغنر على غرار الأنموذج الذي أسسه هردر وشليغل. والثقافة الألمانية، على النحو الذي أوجده العرق الجرماني، متفوقة على جميع الثقافات الخرى. ووضع فاغنر نظريته العدوانية في الإمبريالية العرقية موضع التنفيذ العملي خلال الحرب الفرنسية- البروسية عام 1870، يوم ندد بفرنسا تنديدا مرا باعتبارها كانت دولة قوية وأضحت في طور الانحطاط، ودولة قيض لها أن تنهار لأن عرقها الغالي (Gallic) أدنى بيولوجيا من العرق الجرماني. ولا تستطيع ألمانيا أن تفوز بالمكانة التي تستحقها إذا ما التزمت بمبادئ ليبرالية مانشتر، وأتاح الاتحاد من أجل السياسة اشتراكية (1872) لفاغنر وسيطا قويا للتنديد بالليبرالية والاشتراكية على السواء، ولإخضاع العالم الأكاديمي (ومن خلاله موظفي الإدارات المدنية) بفكرته عن اشتراكية الدولة. فتنظيم الدولة كما تصوره ورحب به، سوف يفيد من القدرة الإنتاجية للصناعة ويعززها ويضعف بذلك القوة الصناعية والسياسية للبروليتاريا.
لم يكن ثمة إلا خطوة واحدة تفصل هذه الإمبريالية العرقية عن معاداة السامية التي ستتطرق إليها لاحقا.
يرقى الرواج العظيم للنظرية العرقية إلى نشر هيوستون ستيورات تشامبرلين (Houston Stewart Chaberlain) مؤلفه التلفيقي الغر المعنون:… (أسس القرن التاسع عشر) الذي كان اقتباسا لكتاب الكونت غوبينو (Count Gobineau) المعنون:… (مقالة في اللامساواة بين الأعراق البشرية) الذي نشر عام 1854. رفض كتاب غوبينو ثورتي 1789 و1848 الفرنسيتين وكل ما مثلتاه. ووضع نظريته لمحاربة الليبرالية السياسية والحركة العمالية، وأهدى الكتاب الذي احتوى هذه النظرية إلى ملك هانوفر الذي كان قد ألغى منذ فترة وجيزة الدستور الليبرالي بوسائل غير دستورية. التمس غوبينو أساسا أيديولوجيا لشكل الدولة الذي من شأنه أن يحرم البروليتاريا من الحقوق السياسية ويضمن مرتكزا ثابتا للحكم الأرستقراطي، ويدخل تحسينات على النظريات المضادة للثورة التي وضعها بونالد (Bonald) ودو ميستر (De Maistre)، يرى غوبينو أن الأرستقراطية مشروطة عرقيا. وهو يضع تراتبا هرميا للأعراق يقع فيه السود في أدنى المراتب ويحتل العرق الجرماني الأشقر الأبيض مكانة القيادة الخاصة. مرة ثانية، تأتي انكلترا، لا ألمانيا، أنموذجا أمثل لسمات العرق الجرماني. وتأسست جمعية خاصة لغوبينو وقامت بالكثير لنشر تعاليم المعلم. غير أن غوبينو لم يكن معنيا بتوسيغ أي نوع من الإمبريالية، سواء أكان فرنسيا، ألمانيا، أم انكليزيا. كان اهتمامه الأولي ينحصر في الحفاظ، أو بالأحرى في استعادة امتيازات طبقة أرستقراطية تمزقت سلطتها السياسية بسلسلة من الثورات وما عاد من الممكن تسويغ حكمها بمجرد التقاليد.
أعاد هيوستن ستيوارت تشامبرلين وحموه ريتشارد فاغنر صياغة نظرية غوبينو؛ وتحولت على يديهما إلى اداة قوية للإمبريالية العرقية ولمعاداة السامية. وربما يكون من الممل أن نكرر حجج تشامبرلين، وحاصلها أن العرق التيوتوني يضم أملئك الذين شكلوا حقيقة “مصائر البشرية، سواء أكانوا من بناة الدولة أم من مكتشفي الأفكار الجديد والفن الأصيل… حضارتنا كلها اليوم وثقافتنا هما من صنع عرق محدد من البشر، ألا وهو العرق التيوتوني”. وذهب تشامبرلين إلى أبعد بكثير مما ذهب إليه غوبينو، وانتقده عل ىقبوله بالقدرة الإبداعية للأمم المختلطة. فالأعراق النقية، في ما زعم، سوف تتطور عبر مسار تاريخي طويل يفضي في نهايته إلى إيجاد عرق من البشر الفائقين.
كان ريتشارد فاغنر قد التقى غوبينو في روما في تشرين الثاني/ نوفمبر 1876 وتأثر به تأثرا عميقا. ولما انضم تشامبرلين إلى حلقة فاغنر ثم تزوج من ابنه الأخير، انتقلت حماسة حميه لغوبينو إلى تشامبرلين نفسه. وتشهد الرسائل المتبادلة بينه وبين حماته كوزيما فاغنر، بوضوح على تطور العقيدة العرقية وتأثير شخصية غوبينو وفكره في حلقة آل فاغنر. ومن الغرائب فعلا، أن تشامبرلين يفند الفكرة القائلة بأن العرق النقي أسمى من العرق المهجن (رسالة 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1893). وهو ينسب الأطروحة المعاكسة إلى غوبينو، لا بل يعلن أن “شبح تعاليم غوبينو يظل مرفرفا كسحابة فوق بعض مناقشات [فاغنر] في المجلد العاشر [من أعمال فاغنر]”. علاوة على ذلك، تبين المراسلات بوضوح متزايد أن البنية المحكمة الكلية لكتاب… (أسس القرن التاسع عشر) ما هي إلا تزويق لمعاداة تشامبرلين للسامية، وأطروحتها المركزية هي تأكيده وجود مؤامرة يهودية لإنزال الهزيمة بالأعراق الجرمانية. وفي رسالة مؤرخة في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 1902، نراه يشدد على أن “الفصل المتعلق بالسامية هو بالنسبة إلي أهم الفصول”. وتتكرر فكرة المؤامرة اليهودية مرارا في مناقشات حلقة فاغنر ولا سيما في آرائه الخاصة. تمسك فاغنر بهذه الفكرة تمسكا مستغربا في صلابته، على الرغم من أن واحدا من أعظم أنصاره نفوذا في عالم الموسيقى كان هرمان ليفي، قائد الأوركسترا اليهودي لفرق أوبرا ميونيخ الملكية الدي نذر كل طاقاته لأوبرات فاغنر. غير أن فاغنر ظل دائم الارتياب من ليفي، وظل يتصور دائما أن ثمة مؤامرة يهودية كلما عرض خطأ في أداء أعماله. ويتضح هذا الأمر بصورة خاصة من خلال مكاتباته مع الملك لويس الثاني.
3. نظريات معاداة السامية
تحولت العرقية بصورة متزايدة إلى عداء نقي للسامية بحيث إنه كلما تطورت عقيدة التفوق العرقي الألماني تطور الموقف المعادي للسامية مع تطورها. هنا أيضا تبدو المناقشة العلمية لحقيقة التصريحات المعادية للسامية الصادرة عن النازية نافلة، لأن معاداة السامية لها جذور عميقة في التاريخ الألماني. إن كامل تاريخ ألمانيا الفكري مرقط بمضايقة اليهود، كما أن المنظمات المعادية للسامية أدت دورا رائدا حتى في أيام العهد الإمبراطوري.
كان مارتن لوثر أول معاد صريح للسامية ومشغوف بهذا الموقف. ورأى أن على المسيحيين ألا يتناقشوا مع اليهود حول أركان العقيدة. والأفضل، فيما يعلن، طرد اليهود من ألمانيا. وتبدو ملاحظاته المتهكمة حول كيفية طردهم من ألمانيا مشابهة لملاحظات در شتورمر (Der Shurmer)، وهي النشرة المعادية للسامية التي كان يصدرها شترايخر (Shtreisher) وتظهر فيها دعايات تعرض عل ىاليهود بطاقات سفر بلا رجعة إلى فلسطين. يقول لوثر: “أراضينا وشوارعنا مفتوحة أمامهم كي ينتقلوا إلى بلادهم إن أرادوا. سوف نهديهم الهدايا، بسرور كي نتخلص منهم لأنهم عبء ثقيل كالطاعون والوباء والنكبة في بلادنا”. وتلي هذا القول أقوال أخرى مشحونة بالحقد المر والغيظ. عندما يغادر اليهود، ينبغي أن يجردوا من “كل نقودهم، وجواهرهم، وفضتهم وذهبهم”. وأن “يوضع في أيدي كل شاب من الشبان اليهود وكل شابة من الشابات اليهوديات الأقوياء، مدرس يدوي، وفأس، ومعول، ومالج، وفلكة مغزل، ومغزل، ويجبروا على كسب قوتهم اليومي بعرق جبينهم مثلما على عواتق أبناء آدم”، وأن “تطرح النار في محافلهم أو مدارسهم”، وأن “تنفض منازلهم وتقوض… ويوضعوا تحت سقيفة أو زريبة، كالغجر… في البؤس والأسر حيث إنهم لا يكفون عن النواح والتشكي إلى الله منا”.
إن المؤلفين الخاصين اللذين تظهر فيهما فورات الحقد المتعصب هذه هما أنموذجان على آراء قطاع صغير من الطبقات الوسطى الألمانية على امتداد التاريخ الألماني الحديث، وقد شكلا أساس الأفعال المعادية للسامية إلى أن جعلتهما النازية جزءا من السياسة الرسمية.
كان فيخته معاديا للسامية بصورة معلنة، واتخذت مشاعره المعادية للسامية شكلها الأكثر حدة خلال الفترة التي كان يطور فيها نظريته شبه الفوضوية في الدولة. ومن المهم أن ندرك أن هذه التصريحات المعادية للسامية جاءت خلال الفترة الليبرالية من تطوره. ولم تكن الصلة طارئة، كما يمكن أن نلمس إذا تذكرنا أنه في الفترة التي أعقبت الثورة الفرنسية وحروب التحرير، فإن الحركة الليبرالية هي التي التقطت معاداى السامية ودفعتها قدما. كان حكم نابليون قد جاء بالتحرير القانوني لليهود في ألمانيا، ولذلك اتخذ النضال ضد نابليون هناك شكل النضال ضد كل ما حققته إصلاحاته. ففي ظل شعارات ليبرالية ووطنية قوضت الغوغاء منازل اليهود ومحافلهم، وغدا سوء معاملة اليهود حادثا شبه يومي.
لم تزل معاداة السامية قوة سياسية في ألمانيا منذ حروب التحرير . كما أن حقبة بسمارك جعلتها حركة شعبية. وألقي اللوم على اليهود بسبب الأزمة المالية التي ختمت الازدهار الاقتصادي الذي شهدته سنوات ما بعد حرب 1870. وفي العام 1873 نشر فيلهلم مار (Wilhelm Marr)، وه وصحافي من هامبورغ، كراسا عنوانه… (انتصار اليهودية على ألمانيا) تسبب في اندلاع الحقد العنيف المعادي لليهود. وفي الفترة نفسها، تشابكت أيدي الإمبريالية العدوانية المبررة بالحجج العرقية وموجة العداء لليهود.
اندمج التياران المذكوران أخيرا عندما انضم أدولف فاغنر إلى قس البلاط شتوكر (Stokker) في حزب العمال المسيحي الاجتماعي عام 1878. وما لبثت هذه المنظمة التي كانت غايتها الأصلية حشد التأييد العمالي للبرنامج الإمبريالي أن أصبحت حزبا مجاهرا بمعاداة السامية ويقوم يدعاوة واسعة النطاق ويفوز بمقاعد في الرايخشتاغ. وتتسم تلك الفترة بسلسلة كاملة من الكتاب المنادين بمعاداة السامية: إيوجين دوهرينغ ناقد الرأسمالية الليبرالية الشهير الذي هاجمه انغلز في كتابه (ضد دوهرنيغ)؛ وماكس شتيرنر، الفوضوي؛ وهرمان آلفارت (Hermann Ahlwardt) الذي حرض على المجازر المنظمة وأفلح في تنظيم محاكمة لجريمة شعائرية في كزانتن (Xanten) بالقرب من دوسلدورف. وفي النهاية دخلت الحركة في تحالف سياسي مع الحزب المحافظ.
على الرغم من أن معاداة السامية لم تكن تنشر في أي مكان بالفعالية نفسها التي كانت تنشر بها في ألمانيا، فإنها أخفقت في مد جذورها في صفوف السكان؛ أصبح التحريض على درجة من التعصب بحيث انه أفشل نفسه. ظلت الحركة العمالية حصينة ضده، كما أن بيبل، زعيم الحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني في فترة ما قبل الحرب، لقي الترحيب والتأييد يوم ندد بمعاداة السامية معتبرا إياها “اشتراكية الحمقى”. وفي عام 1885 أسقط المحافظون معاداة السامية من مجموعة مواقفهم وقطعوا الصت مع حزب معاداة السامية، وتسببوا في هزيمته البرلمانية.
كانت معاداة السامية السياسة الأساسية للاتحاد الجرماني الشامل الذي رفع مطلب تحقيق إمبراطورية ألمانيا الكبرى، لا سيما لأوروبا الوسطى في ظل الهيمنة الألمانية.
ثلاثة موضوعات كبرى تتردد في هذه الكتابات المعادية للسامية. أولا، معاداة الرأسمالية واليهودية، ولا سيما في كتابات أدولف فاغنر، وقد طرحت هذه الأطروحة للتقصي العلمي في كتاب فيرنر زومبارت (Werner Sombart) الشهير… (اليهود والحياة الاقتصادية)، الأطروحة الثانية هي أن اليهود هم أيضا قادة الاشتراكية الماركسية. وتتكرر الثيمتان [الموضوعتان] بلا كلل في خطة الدعاوة النازية وتغلب غلبة تامة في سيرة هتلر الذاتية. والثيمة [الموضوعة] والأشد نفوذا تمزج الثيمتين الأخريين: قادة اليهود العالميون (حكماء صهيون) نظموا مؤامرة دولية يهودية للقضاء هلى “العرق الآري”. وقد أفرد بعض اليهود، ضمن هذه المؤامرة، ليقودوا الرأسمالية العالمية، في حين أفرد سواهم ليقودوا عمليات الاشتراكيين الأممين والبلاشفة. والبنية على هذه المؤامرة تتمثل في كتاب بروتوكولات حكماء صهيون السيء الصيت الذي باتت قصته مشهورة إلى حد لا تستلزم معه المناقشة هنا.

العنصرية العرقية والعداء للسامية بديلان عن الصراع الطبقي. إن جماعة الشعب التي تأسست بصورة رسمية والتي نسخت الصراع الطبقي وحلت محله تحتاج إلى عنصر مسبب للتكامل. وأكد كارل شميث أن السياسة هي صراع ضد عدو يجب أن يباد. وهذه النظرية صحيحة إذا كان المجتمع عدوانيا. والعدو الجديد هو اليهودي. هكذا يمكن للمجتمع الآري أن يتدامج في كل واحد عبر تكديس كل الحقد، والغيظ، والبؤس على عدو يمكن أن يباد بسهولة و يمكنه أن يباد بسهولة ولا يمكنه أن يقاوم. والقيمة السياسية الداخلية لمعاداة السامية لن تسمح لذلك بإبادة كاملة لليهود. فالعدو لا يمكن أن يزول كما أنه يجب ألا يزول؛ بل يجب أن يبقى جاهزا ككبش محرقة لكل الشرور الناشئة في النظام الاجتماعي السياسي